فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 608

وذلك فوق أن النصر السريع الهين اللين سهل فقدانه وضياعه. أولا لأنه رخيص الثمن لم تبذل فيه تضحيات عزيزة. وثانيا لأن الذين نالوه لم تدرب قواهم على الاحتفاظ به ولم تشحذ طاقاتهم وتحشد لكسبه. فهي لا تتحفز ولا تحتشد للدفاع عنه.

وهناك التربية الوجدانية والدربة العملية تلك التي تنشأ من النصر والهزيمة ، والكر والفر ، والقوة والضعف والتقدم والتقهقر. ومن المشاعر المصاحبة لها .. من الأمل والألم. ومن الفرح والغم ، ومن الاطمئنان والقلق.

ومن الشعور بالضعف والشعور بالقوة .. ومعها التجمع والفناء في العقيدة والجماعة والتنسيق بين الاتجاهات في ثنايا المعركة وقبلها وبعدها وكشف نقط الضعف ونقط القوة ، وتدبير الأمور في جميع الحالات .. وكلها ضرورية للأمة التي تحمل الدعوة وتقوم عليها وعلى الناس. [1]

من أجل هذا كله ، ومن أجل غيره مما يعلمه اللّه .. جعل اللّه دفاعه عن الذين آمنوا يتم عن طريقهم هم أنفسهم ولم يجعله لقية تهبط عليهم من السماء بلا عناء .

والنصر قد يبطىء على الذين ظلموا وأخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا اللّه. فيكون هذا الإبطاء لحكمة يريدها اللّه.

قد يبطىء النصر لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد نضجها ، ولم يتم بعد تمامها ، ولم تحشد بعد طاقاتها ، ولم تتحفز كل خلية وتتجمع لتعرف أقصى المذخور فيها من قوى واستعدادات. فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكا لعدم قدرتها على حمايته طويلا!

وقد يبطىء النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة ، وآخر ما تملكه من رصيد ، فلا تستبقي عزيزا ولا غاليا ، لا تبذله هينا رخيصا في سبيل اللّه.

وقد يبطىء النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها ، فتدرك أن هذه القوى وحدها بدون سند من اللّه الشر والفساد ، وحققوا بهذا وذاك صفة الأمة المسلمة التي لا تبقى على منكر وهي قادرة على تغييره ، ولا تقعد عن معروف وهي قادرة على تحقيقه ..

(1) - والإسلام مع هذا لا يعد القتال غاية لذاته ، ولا يأذن به إلا لغاية أكبر من المهادنة والموادعة .. إن السلام هو غاية الإسلام كما تقرر آيات أخرى كثيرة في القرآن. ولكنه السلام الذي لا اعتداء فيه ولا ظلم ولا بغي ولا عدوان. أما حيث يقع البغي والعدوان على أي مقوم من مقومات الإنسانية الفاضلة كحرية العقيدة وحرية العبادة ، والعدل في الحكم ، والعدل في الجزاء ، والعدل في توزيع المغانم والمغارم والحقوق والواجبات ، واستقامة السلوك الفردي والجماعي على حدود اللّه .. أما حيث يقع البغي على أي مقوم من هذه المقومات في أية صورة من الصور ، سواء وقع من فرد على فرد ، أو من فرد على جماعة ، أو من جماعة على فرد أو جماعة ، أو من دولة ، على دولة.

فالإسلام لا يرضى حينئذ بسلام يقوم على هذا العدوان. فليس السلام في الإسلام هو المهادنة والموادعة إنما هو تحقق الخير والعدل على النهج الذي رسمه اللّه للعباد .. (يراجع بتوسع كتاب السلام العالمي والإسلام) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت