وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حينما حل موعد بدر الصغرى في السنة التالية لغزوة أحد صمم على الخروج فخرج ومعه ألف وخمسمائة مقاتل وعشرة أفراس ، وأقاموا على بدر ينتظرون أبا سفيان كما وعدهم وكان النصر لهم ، أما أبو سفيان فرجع من الطريق وصرفه اللّه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عسى أن يكف بأسهم ويزيل قوتهم ، فاللّه ناصرك على الأعداء سواء كنت وحدك أو معك الألوف ، فهو أشد بأسا وأشد قوة وسيعاقبهم العقاب الصارم الذي يمنع أمثالهم من الجرأة على الحق وينكل بهم." [1] "
وفي تفسير المنار:"قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي وَجْهِ التَّنَاسُبِ وَالِاتِّصَالِ: اعْلَمْ أَنَّهُ - تَعَالَى - لَمَّا أَمَرَ بِالْجِهَادِ وَرَغَّبَ فِيهِ أَشَدَّ التَّرْغِيبِ فِي الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَذَكَرَ فِي الْمُنَافِقِينَ قِلَّةَ رَغْبَتِهِمْ فِي الْجِهَادِ ، بَلْ ذَكَرَ عَنْهُمْ شِدَّةَ سَعْيِهِمْ فِي تَثْبِيطِ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْجِهَادِ عَادَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ."
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: تَقَدَّمَ أَنَّ الْآيَاتِ فِي وَصْفِ أُولَئِكَ الضُّعَفَاءِ ، وَلَمَّا قَالَ: إِنَّ الرَّسُولَ لَيْسَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ - تَعَالَى - أَيَّدَ هَذَا وَأَوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ أَيْ: إِنَّكَ أَنْتَ الْمُكَلَّفُ أَنْ تُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُهَا . وَالرَّقِيبُ عَلَى نَفْسِكَ ، فَقُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْكَ بِالْعَمَلِ ، وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ مَعَكَ ; لِأَنَّ التَّحْرِيضَ مِنَ التَّبْلِيغِ الَّذِي مِنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، عَسَى هُنَا تَدُلُّ عَلَى الْإِعْدَادِ وَالتَّهْيِئَةِ لِأَنَّ التَّرَجِّيَ الْحَقِيقِيَّ مُحَالٌ عَلَى الْعَالِمِ بِكُلِّ شَيْءٍ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْخَبَرِ وَالْوَعْدِ ، وَخَبَرُهُ تَعَالَى حَقٌّ لِأَنَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ، وَالْبَأْسُ الْقُوَّةُ ، وَكَانَ بَأْسُ الْكَافِرِينَ مُوَجَّهًا إِلَى إِذْلَالِ الْمُؤْمِنِينَ ، لِأَجْلِ الْإِيمَانِ لَا لِذَوَاتِهِمْ وَأَشْخَاصِهِمْ ، فَتَأْيِيدُ الْإِيمَانِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى كَفِّ بَأْسِهِمْ ، وَكَفُّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَصَدِّي الْمُؤْمِنِينَ لِلْجِهَادِ .
أَقُولُ: سَبَقَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَفْسِيرُ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ لِكَلِمَةِ عَسَى بِمِثْلِ هَذَا وَحَاصِلُ الْمَعْنَى أَنَّ تَحْرِيضَ النَّبِيِّ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ مَعَهُ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ بِبَاعِثِ الْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ النَّفْسِيِّ دُونَ الْإِلْزَامِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لَهُ وَتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يُوَطِّنُ نُفُوسَ الْكَافِرِينَ عَلَى كَفِّ بِأَسِهِمْ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَبُعْدِهِمْ لِتَرْكِ الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ أَدْعَى إِلَى تَرْكِ الْقِتَالِ مِنَ الِاسْتِعْدَادِ لِلْقِتَالِ ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ جَرَى عَمَلُ دُوَلِ أُورُبَّةَ فِي هَذَا الْعَصْرِ وَبِهِ يُصَرِّحُونَ ، تَبْذُلُ كُلُّ دَوْلَةِ مُنْتَهَى مَا فِي وُسْعِهَا مِنَ اتِّخَاذِ آلَاتِ الْقِتَالِ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَتَنْظِيمِ الْجُيُوشِ ، لِتَكُونَ الْقُوَى الْحَرْبِيَّةُ بَيْنَهُنَّ مُتَوَازِنَةً ، فَلَا تَطْمَعُ الْقَوِيَّةُ فِي الضَّعِيفَةِ فَيُغْرِيهَا ضَعْفُهَا بِالْإِقْدَامِ عَلَى مُحَارَبَتِهَا .
(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (1 / 405)