وَجَعْلُ عَسَى لِلتَّرَجِّي لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُتَرَجَّي هُوَ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ مَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ مَرْجُوٌّ فِي نَفْسِهِ بِحَسَبِ سُنَّةِ اللهِ فِي خَلْقِهِ .
وَاللهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أَيْ: لَا يُخِيفَنَّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَأْسُ هَؤُلَاءِ الْكَافِرِينَ وَشِدَّتُهُمْ وَلَا تَصُدَّنَّكُمْ عَنْ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَالْعَمَلِ بِتَحْرِيضِهِ مُذْعِنِينَ مُخْتَارِينَ ; فَإِنَّ اللهَ - تَعَالَى - الَّذِي وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ أَشَدُّ بَأْسًا مِنْهُمْ وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا لَهُمْ مِمَّا يُحَاوِلُونَ أَنْ يُنَكِّلُوا بِكُمْ ، وَلَكِنَّ سُنَّتَهُ سَبَقَتْ بِأَنْ تَكُونَ الْعَاقِبَةُ لِأَهْلِ الْحَقِّ إِذَا اتَّقَوْا أَسْبَابَ الْخِذْلَانِ ، وَاتَّخَذُوا أَسْبَابَ الدِّفَاعِ مَعَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ ، لَا أَنَّهُ يَنْصُرُهُمْ وَهُمْ قَاعِدُونَ أَوْ مُقَصِّرُونَ فِي الْجَرْيِ عَلَى سُنَنِهِ الَّتِي لَا تَبْدِيلَ لَهَا وَلَا تَحْوِيلَ ، وَالتَّنْكِيلُ أَنْ تُعَاقِبَ الْمُجْرِمَ عِبْرَةً وَنَكَالًا لِغَيْرِهِ يَمْنَعُهُ أَنْ يُجْرِمَ مِثْلَ إِجْرَامِهِ ، وَهُوَ مِنَ النُّكُولِ بِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ .
وَيُؤْخَذُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - كَلَّفَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُقَاتِلَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ قَاوَمُوا دَعْوَتَهُ بِقُوَّتِهِمْ وَبِأَسِهِمْ وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ، وَسِيرَتُهُ - صلى الله عليه وسلم - تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، فَهُوَ قَدْ تَصَدَّى لِمُقَاوَمَةِ النَّاسِ كُلِّهِمْ بِدَعْوَتِهِمْ إِلَى تَرْكِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ ، وَاتِّبَاعِ النُّورِ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ، وَلَمَّا قَاتَلُوهُ قَاتَلَهُمْ ، وَقَدِ انْهَزَمَ أَصْحَابُهُ عَنْهُ مَرَّةً فَبَقِيَ ثَابِتًا كَالْجَبَلِ لَا يَتَزَلْزَلُ ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْفَاءَ فِي قَوْلِهِ: فَقَاتِلْ لِلتَّفْرِيعِ بِتَرْتِيبِ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَقِيلَ: إِنَّهَا جَوَابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ: إِنْ أَرَدْتَ الْفَوْزَ فَقَاتِلْ ، وَكَانَ الْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّقْدِيرَ وَإِذَا كُنْتَ مُبَلِّغًا عَنِ اللهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لَا وَكِيلًا وَلَا جَبَّارًا عَلَى النَّاسِ فَقَاتِلْ ، أَنْتَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللهِ لَكَ ، وَحَرِّضْ غَيْرَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى طَاعَةِ اللهِ - تَعَالَى - بِذَلِكَ تَحْرِيضًا ، لَا إِلْزَامَ سُلْطَةٍ وَلَا إِجْبَارَ قُوَّةٍ ، وَالتَّحْرِيضُ الْحَثُّ عَلَى الشَّيْءِ بِتَزْيِينِهِ وَتَسْهِيلِ الْخَطْبِ فِيهِ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ
وَمَعْنَى: لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ لَا تُكَلَّفُ أَنْتَ إِلَّا أَفْعَالَ نَفْسِكَ دُونَ أَفْعَالِ النَّاسِ ، فَلَا يَضُرُّكَ إِعْرَاضُ الَّذِينَ قَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ (4: 77) ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ لَكَ طَاعَةٌ وَيُبَيِّتُونَ غَيْرَ ذَلِكَ ، فَإِنَّ طَاعَتَهُمْ لَكَ إِنَّمَا تَجِبُ لِأَنَّكَ مُبَلِّغٌ عَنِ اللهِ فَهِيَ طَاعَةُ اللهِ ، وَمَنْ أَطَاعَ اللهَ لَا يَضُرُّهُ عِصْيَانُ مَنْ عَصَاهُ . [1]
وفي الظلال:"ومن خلال هذه الآية - بالإضافة إلى ما قبلها - تبرز لنا ملامح كثيرة في الجماعة المسلمة يومذاك. كما تبرز لنا ملامج كثيرة في النفس البشرية في كل حين:"
«أ» يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة ، هي تكليف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقاتل في سبيل اللّه - ولو كان وحده - ليس عليه إلا نفسه مع تحريض المؤمنين. غير متوقف مضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم! ولو
(1) - تفسير المنار - (5 / 246)