يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الحِكْمَةَ مِنَ البَرَاءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وَعُهُودِهِمْ ، وَمِنْ نَظِرَتِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، فَيَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ ، وَيَتْرُكُونَ فِيمَا هُمْ فِيِهِ مِنَ الشِّرْكِ ، وَالكُفْرِ بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ ، وَهُمْ إِذَا تَمَكَّنُوا مِنَ المُسْلِمِينَ ، وَغَلَبُوا عَلَيْهِمْ ، لاَ يَرْعَوْنَ فِيهِم قَرَابَةً وَلاَ عَهْدًا؟
أَمَّا الذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرَامِ ( يَوْمَ الحُدَيبِيَةِ ) ، فَمَا اسْتَمْسَكُوا بِالعَهْدِ ، وَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ ، فَتَمَسَّكُوا أَنْتُمْ بِهِ ، وَأَوْفُوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ، لأنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ ، الذِينَ يُحَافِظُونَ عَلَى عُهُودِهِمْ .
وَقَدِ اسْتَمَرَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُحَافِظًا عَلَى عَهْدِهِ مَعَ قُرَيْشٍ حَتَّى نَقَضَتْهُ هِيَ ، وَسَاعَدَتْ بَنِي بَكْرٍ أَحْلاَفَهَا ، عَلَى خُزَاعَةَ حُلَفَاءِ الرَّسُولِ ، فَسَارَ النَّبِيُّ إِلَى قُرَيْشٍ وَفَتَحَ مَكَّةَ .
يُبَيِّنُ اللهُ تَعَالَى الأَسْبَابَ التِي تَدْعُو إلَى أَنْ لاَ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ ، ذَلِكَ لأنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللهِ وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ ، وَلأَنَّهُمْ إِذِ انْتَصَرُوا عَلَى المُسْلِمِينَ ، وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ ، اجْتَثُوهُمْ وَلَمْ يُبْقُوا عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ ، وَلَمْ يَرْقُبُوا فِي المُسْلِمِينَ قَرَابَةً ، وَلا عَهْدًا ، فِي نَقْضِ العَهْدِ وَالمِيثَاقِ ، وَهَؤُلاَءِ يَخْدَعُونَ المُؤْمِنِينَ بِكَلاَمِهِمِ المَعْسُولِ ، وَقُلُوبُهُمْ مُنْطَوِيَةٌ عَلَى كَرَاهَتِهِمْ ، وَأَكْثَرُهُمْ خَارِجُونَ عَنِ الحَقِّ ، نَاقِضُونَ لِلْعَهْدِ .
اعْتاضُوا عَنِ اتِّبَاعِ آيَاتِ اللهِ بِمَا التَهَوا بِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيا الخَسِيسَةِ ، فَمَنَعُوا أَنْفُسَهُمْ عَنِ الإِيمَانِ بِاللهِ ، وَعَنِ اتِّبَاعِ الحَقِّ ، وَمَنَعُوا النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ فَبِئْسَ العَمَلِ عَمَلُهُمْ ، وَسَاءَ مَا عَمِلُوا مِنِ اشْتِرَاءِ الكُفْرِ بِالإِيمَانِ ، وَالضَّلاَلَةِ بِالهُدَى .
وَيَجْعَلُهُمْ كُفْرُهُمْ لاَ يَرْعَوْنَ فِي مُؤْمِنٍ ، يَقْدِرُونَ عَلَى الفَتْكِ بِهِ ، قَرَابةً تَقْتَضِي الودَّ ، وَلا ذِمَّةً تُوجِبُ الوَفَاءَ بِالعَهْدِ ، وَلا رِبًّا يحُرَمِّ ُالخِيَانَةَ وَالغَدْرَ ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ المُتَجَاوِزُونَ الحُدُودَ فِي الظُّلْمِ .
فَإِذَا انْتَهُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ ، وَتَابُوا وَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ ، وَأَدُّوا الصَّلاَةَ حَقَّ أَدَائِهَا ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ ، فَحِينَئذٍ يُصْبِحُونَ إِخْوَانًا لَكُمْ فِي الدِّينِ ، وَاللهُ يُفَصِّلُ الآيَاتِ ، وَيُوَضِّحُهَا لِقَوْمٍ يَِعْلَمُونَ مَا بَيَّنَ اللهُ لَهُمْ مِنَ الحِجَجِ وَالبَرَاهِينِ وَالآيَاتِ ، وَيَنْتَفِعُونَ بِهَا .
وَإِنْ نَكَثَ هَؤُلاَءِ المُشْرِكُونَ ، الذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ ، عُهُودَهُمْ وَمَوَاثِيقَهَمْ ( أَيْمَانَهُمْ ) ، وَعَابُوا دِينَكُمْ وَانْتَقَصُوهُ ( طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ) ، فَقَاتِلُوا زُعَمَاءَ الكُفْرِ وَأَئِمَّتَهُ ، لأنَّهُمْ لاَ عُهُودَ لَهُمْ وَلاَ مَوَاثِيقَ ، لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ عَنِ الكُفْرِ إِنْ قَاتَلتُمُوهُمْ . ( وَمِنْ هَذِهِ الآيَةِ شُرِعَ قَتْلُ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَمَنْ طَعَنَ فِي دِينِ الإِسْلاَمِ ) .
يَحُضُّ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ المُشْرِكِينَ ، الذِينَ يَنْكُثُونَ عَهْدَهُمْ ، وَقَدْ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَكَّةَ ، وَهُمُ الذِينَ بَدَؤُوكُمْ بِالقِتَالِ أوَّلَ مَرَّةٍ ، إِذْ خَرَجُوا إلَى بَدْرٍ لِنُصْرَةِ عِيرِهِمْ وَإِنْقَاذِهَا ، ثُمَّ يَطْلُبُ اللهُ تَعَالَى إِلَى المُؤْمِنِينَ أَنْ لاَ يَخْشَوا الكُفْرَ وَأَهْلَهُ ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ الذِي يَسْتَحِقُّ الخَشْيَةَ