فهرس الكتاب

الصفحة 409 من 608

وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ، وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها ، أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ ، فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ، وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ» .. (23 - 24) .

واقتضت تذكيرهم بنصر اللّه لهم في مواطن كثيرة ، وأقربها يوم حنين الذي هزموا فيه فلم ينصرهم إلا اللّه بجنده وبتثبيته لرسوله: «لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ، وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ، ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ، وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها ، وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ» ... «25 - 26» .

واقتضت أخيرا تطمينهم من ناحية الرزق الذي يخشون عليه من كساد الموسم وتعطل التجارة وتذكيرهم أن الرزق منوط بمشيئة اللّه لا بهذه الأسباب الظاهرة التي يظنونها: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا. وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» ... (28) .

وهذه التوكيدات والتقريرات ، وهذه الإيحاءات والاستثارات ، وهذه الحملة الطويلة المنوعة الأساليب ..

تشي - كما أسلفنا - بحالة المجتمع المسلم بعد الفتح ، ودخول العناصر الجديدة الكثيرة فيه وبعد التوسع الأفقي السريع الذي جاء إلى المجتمع المسلم بهذه الأفواج التي لم تنطبع بعد بطابع الإسلام .. ولولا أن مجتمع المدينة كان قد وصل مع الزمن الطويل ، والتربية الطويلة إلى درجة من الاستقرار والصلابة والخلوص والاستنارة ، لكانت هذه الظواهر مثار خطر كبير على وجود الإسلام ذاته كما ذكرنا ذلك مرارا من قبل.

والآن نكتفي بهذا القدر من الحديث العام عن ذلك المقطع الأول من السورة وما يشي به من حالة المجتمع في حينه لنواجه نصوصه بالتفصيل: «براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين. فسيحوا في الأرض أربعة أشهر ، واعلموا أنكم غير معجزي اللّه وأن اللّه مخزي الكافرين. وأذان من اللّه ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر: أن اللّه بريء من المشركين ورسوله ، فإن تبتم فهو خير لكم ، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي اللّه ، وبشر الذين كفروا بعذاب أليم. إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا - فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم ، إن اللّه يحب المتقين. فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم ، إن اللّه غفور رحيم. وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام اللّه ، ثم أبلغه مأمنه ، ذلك بأنهم قوم لا يعلمون» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت