فهرس الكتاب
هذه الآيات - وما بعدها إلى الآية الثامنة والعشرين - نزلت تحدد العلاقات النهائية بين المجتمع الإسلامي الذي استقر وجوده في المدينة وفي الجزيرة العربية - بصفة عامة - وبين بقية المشركين في الجزيرة الذين لم يدخلوا في هذا الدين .. سواء منهم من كان له عهد مع رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - فنقضه ، حينما لاح له أن مواجهة المسلمين للروم - حين توجهوا لمقابلتهم في تبوك - ستكون فيها القاضية على الإسلام وأهله ، أو على الأقل ستضعف من شوكة المسلمين وتهد من قوتهم .. ومن لم يكن له عهد ولكنه لم يتعرض للمسلمين من قبل بسوء .. ومن كان له عهد - موقوت أو غير موقوت - فحافظ على عهده ولم ينقص المسلمين شيئا ولم يظاهر عليهم أحدا .. فهؤلاء جميعا نزلت هذه الآيات وما بعدها لتحدد العلاقات النهائية بينهم وبين المجتمع المسلم في ظل الاعتبارات التي أسلفنا الحديث عنها بشيء من التوسع سواء في تقديم السورة ، أو في تقديم هذا الدرس خاصة.
وأسلوب هذه الآيات وإيقاع التعبير فيها ، يأخذ شكل الإعلان العام ، ورنينه العالي! فيتناسق أسلوب التعبير وإيقاعه مع موضوعه والجو الذي يحيط بهذا الموضوع على طريقة القرآن في التعبير وقد وردت روايات متعددة في ظروف هذا الإعلان ، وطريقة التبليغ به ، ومن قام بالتبليغ. أصحها وأقربها إلى طبائع الأشياء وأكثرها تناسقا مع واقع الجماعة المسلمة يومذاك ما قرره ابن جرير وهو يستعرض هذه الروايات. ونقتطف هنا من تعليقاته ما يمثل رؤيتنا لحقيقة الواقعة مغفلين ما لا نوافقه عليه من كلامه وما تناقض فيه بعض قوله مع بعض. إذ كنا لا نناقش الروايات المتعددة ولا نناقش تعليقات الطبري ولكن نثبت ما نرجح أنه حقيقة ما حدث من مراجعة ما ورد وتحقيقه: قال في رواية له عن مجاهد: «براءة من اللّه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين» .. قال: أهل العهد:
مدلج والعرب الذين عاهدهم ، ومن كان له عهد. قال: أقبل رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - من تبوك حين فرغ منها ، وأراد الحج ، ثم قال: إنه يحضر البيت مشركون يطوفون عراة ، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك. فأرسل أبا بكر وعليا رحمة اللّه عليهما. فطافا بالناس ، بذي المجاز وبأمكنتهم التي كانوا يتبايعون بها ، وبالموسم كله وآذنوا أصحاب العهد بأن يأمنوا أربعة أشهر .. فهي الأشهر الحرم المنسلخات المتواليات: عشرون من آخر ذي الحجة إلى عشر يخلون من شهر ربيع الآخر. ثم لا عهد لهم. وآذن الناس كلهم بالقتال إلا أن يؤمنوا. فآمن الناس أجمعون حينئذ ، ولم يسح أحد».
وقال - بعد استعراض جملة الروايات في حقيقة الأجل ومبدئه ونهايته والمقصودين به: «وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: الأجل الذي جعله اللّه لأهل العهد من المشركين ، وأذن لهم بالسياحة فيه بقوله: «فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ» إنما هو لأهل العهد الذين ظاهروا على رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ونقضوا عهدهم قبل انقضاء مدته. فأما الذين لم ينقضوا عهدهم ولم يظاهروا عليه ، فإن اللّه جل ثناؤه