فهرس الكتاب

الصفحة 411 من 608

أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بإتمام العهد بينه وبينهم إلى مدته بقوله: «إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» ..

(سورة التوبة: 4) .

«فإن ظن ظان أن قول اللّه تعالى ذكره: «فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» (سورة التوبة: 5) يدل على خلاف ما قلنا في ذلك ، إذ كان ذلك ينبئ على أن الفرض على المؤمنين كان بعد انقضاء الأشهر الحرم قتل كل مشرك ، فإن الأمر في ذلك بخلاف ما ظن ، وذلك أن الآية التي تتلو ذلك تبين عن صحة ما قلنا ، وفساد ما ظنه من ظن أن انسلاخ الأشهر الحرم كان يبيح قتل كل مشرك كان له عهد من رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - أو لم يكن كان له منه عهد. وذلك قوله: «كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ - إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ» . (سورة التوبة: 7) فهؤلاء مشركون وقد أمر اللّه نبيه - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين بالاستقامة لهم في عهدهم ما استقاموا لهم بترك نقض صلحهم ، وترك مظاهرة عدوهم عليهم.

«وبعد ، ففي الأخبار المتظاهرة عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: أنه حين بعث عليا رحمة اللّه عليه ببراءة إلى أهل العهود بينه وبينهم ، أمره فيما أمره أن ينادي به فيهم: «ومن كان بينه وبين رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته» ، أوضح الدليل على صحة ما قلنا. وذلك أن اللّه لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد قوم كان عاهدهم إلى أجل فاستقاموا على عهدهم بترك نقضه ، وأنه إنما أجل أربعة أشهر من كان قد نقض قبل التأجيل ، أو من كان له عهد إلى أجل غير محدود. فأما من كان أجله محدودا ، ولم يجعل بنقضه على نفسه سبيلا ، فإن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - كان بإتمام عهده إلى غايته مأمورا. وبذلك بعث مناديه ينادي به في أهل الموسم من العرب».

وقال في تعقيب آخر على الروايات المتعددة في شأن العهود: «فقد أنبأت هذه الأخبار ونظائرها عن صحة ما قلنا ، وأن أجل الأشهر الأربعة إنما كان لمن وصفنا.

فأما من كان عهده إلى مدة معلومة فلم يجعل لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين لنقضه ومظاهرة أعدائهم سبيلا ، فإن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - قد وفى له بعهده إلى مدته ، عن أمر اللّه إياه بذلك.

وعلى ذلك ظاهر التنزيل ، وتظاهرت به الأخبار عن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ».

وإذا نحن تركنا الروايات التي بها ضعف ، وما يمكن أن يكون قد تركه الخلاف السياسي - فيما بعد - بين شيعة علي - رضي اللّه عنه - وأنصار الأمويين ، أو أهل السنة ، من الأثر في بعض الروايات فإننا نستطيع أن نقول: إن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بعث بأبي بكر - رضي اللّه عنه - أميرا للحج في هذا العام لما كرهه من الحج والمشركون يطوفون بالبيت عراة. ثم نزلت أوائل سورة التوبة هذه فبعث بها عليا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت