فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 608

الظالمين .. وحسب المهاجرين والأنصار في هذه المرحلة من مسيرة الدعوة الإسلامية ـ حسبهم أن ينظروا لأنفسهم ، وأن يدفعوا البغي المتسلط عليهم.

وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا » .. وفى هذا تخفيف عن الجماعة الإسلامية ، وإعفاء لها من حمل عبء فوق أعبائها ، وهو الدفاع عن الأفراد أو الجماعات الذين آمنوا ولم يهاجروا ، بل ظلّوا بين أهليهم وأقوامهم الذين ينظرون إليهم نظرات مغيظة حانقة ، ترمي بالضر والأذى.

ولو دخل هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا ـ لو دخلوا في ذمة المؤمنين وفى ولائهم ، لكان على المؤمنين الانتصار لهم من كل ظلم ، والحماية لهم من كلّ عدوان ، وهذا يجعل الجماعة الإسلامية ـ مع ما هى عليه من قلة عدد يومئذ ـ في وجه حرب متصلة ، مع قبائل العرب جميعا ، حيث كان في كل قبيلة فرد أو أفراد من الذين آمنوا ، واستجابوا للّه وللرسول .. وكان وضع هؤلاء الأفراد في أقوامهم محفوفا بالمكاره ، متصلّا بالضرّ والأذى ، فلو دخلوا في ذمة المسلمين لكان على المهاجرين والأنصار ، نصرهم ودفع الضر عنهم.

وفى قوله تعالى: « وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ » .. هو بيان للحال التي يجب على جماعة المسلمين أن ينتصروا فيها لمن يستنصر بهم من المؤمنين الذين لم يهاجروا ، وتلك الحال هى أن يكون استنصار المستنصرين بهم من أجل الدّين ، ولحساب الدّين ، لا لعصبية نسب أو قرابة أو حلف.

ومعنى الاستنصار في الدين أن يجد هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا ، فرصة سانحة لنصرة الدين ، في مواطنهم التي هم فيها ، كأن تجد تلك الجماعة التي لم تهاجر ، قدرة على دفع عدوان المعتدين عليها ولكنها تحتاج إلى مساندة عدد من المسلمين ـ عندئذ يجب على الجماعة الإسلامية أن تناصرها وتشدّ ظهرها بالرجال والسلاح .. ففي هذا انتصار لدعوة الإسلام ، وتمكين لها في هذا الموطن الجديد ..

هذا ، وقد ذهب أكثر المفسّرين أن الولاية هنا هى التوارث بينهم ، وقالوا: إن المهاجرين والأنصار كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة ، جاعلين نسب الإسلام بينهم ، أولى من نسب القرابة .. ثم نسخ ذلك ب قوله تعالى: «وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » . . وقد كان رأينا على غير هذا ، وهو أن المراد بالولاية: التناصر ، والتعاطف ، وتلاحم المشاعر ، في ظل الأخوة الإسلامية .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ » (10: الحجرات) وفى هذا يقول الرسول الكريم كما رواه مسلم: « مثل في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت