وفى قوله تعالى: « فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ » إلزام للجماعة الإسلامية بأن تقوم بالانتصار لمن استنصر بها من أجل الدّين ..
وفى قوله تعالى: « إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ » استثناء من الحكم الموجب على الجماعة الإسلامية الانتصار لمن يستنصر بهم من المؤمنين دفاعا عن الإسلام ، ودعوة الإسلام .. وذلك أنه إذا كان هناك ميثاق وموادعة بين المسلمين وبين من دعاهم المؤمنون إلى حربهم ، حينئذ يجب على المسلمين أن يحترموا هذا الميثاق ، وأن يلتزموا حدوده ، وأن يقوموا على الوفاء به ، ولا يدخلوا في حرب مع من دعوا إلى حربه ، وهو موادع لهم بميثاق واثقهم عليه.
قوله تعالى: « وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ » : هو تقرير لحكم واقع بين الكافرين وهو أنهم على ولاء فيما بينهم. وأنهم حزب واحد ، مجتمع على عداوة المؤمنين ، ناصب لحربهم ، راصد للفرصة الممكنة له منهم ..
وليس في هذا الذي يقرره القرآن الكريم دعوة لجماعات الكافرين أن يكونوا على هذا الولاء الذي بينهم ، وإنما هو ـ كما قلنا ـ تقرير لأمر واقع ، يرى منه المؤمنون كيف يجتمع أهل الضلال على الضلال ، وكيف يقوم بينهم الولاء والتناصر .. فاولى للمؤمنين ثم أولى لهم ، أن يجتمعوا على الإيمان ، وأن يتناصروا على الحق والخير.
وفى قوله تعالى: « إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ » إشارة إلى ما ينبغي أن يكون بين جماعة المؤمنين من تلاحم وتناصر. وأنهم إن لم يفعلوا هذا ، فسد أمرهم ، وتمكّن العدوّ منهم ، وسقطت راية الحق التي يقاتلون عليها ، وخلا وجه الأرض للفساد والمفسدين.
والضمير في « تفعلوه » يعود إلى الولاء الذي ينبغي أن يكون بين المؤمنين ، بعد أن دعاهم اللّه إليه في قوله تعالى: « إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ » . . وبعد أن لفتهم سبحانه إلى ما بين أهل الكفر والضلال من ولاء والتقاء على البغي والعدوان.
وقوله تعالى: « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » .
هو عرض للمهاجرين والأنصار ، وإفراد لهم بتلك المنزلة الرفيعة من الإيمان الذي حقّقوا صفته فيهم على أكمل وجه وأروعه .. « أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا » أي المؤمنون إيمانا كاملا ، لم تشبه شائبة من ضعف ، ولم تعلق به خاطرة من شك أو ريب .. فهو الإيمان الخالص ، وهو الحقّ حقّا ..