فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 608

« لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » أي مغفرة عامة شاملة ، تنال كلّ ذنوبهم ، ولهم « رِزْقٌ كَرِيمٌ » طيّب ، من كل شىء ، في الدنيا وفي الآخرة. وهذا من بعض الأسرار التي جاء عليها النظم القرآنى في تنكير المغفرة والرزق الكريم ، حيث يراد بهما العموم والشمول ..

قوله تعالى: « وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ » .هذا إغراء لمن تحدّثه نفسه ، وتنزع به همته أن يكون في هذا الموكب الكريم الذي انتظم أولئك الذين وصفهم اللّه سبحانه وتعالى هذا الوصف الكريم ، وحلّاهم بحلية الإيمان الكامل ، وأنزلهم منازل مغفرته ورضوانه .. إغراء لكل من يطلب هذا المقام الكريم أن يستحثّ خطاه إليه ، وأن يتخفف من كل ما يمسكه عن الهجرة ، فيهاجر إلى من سبقوه إلى دار الهجرة ، وهناك سيأخذ مكانه بينهم ، وينزل حيث أنزلهم اللّه في منازل فضله وإحسانه ..فإن الطريق إلى اللّه مفتوح دائما ، ورحمة اللّه تسع كل شىء ، وعطاؤه موصول لا ينقطع ، ولا ينفد.

وفى قوله تعالى بعد هذا: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » إشارة إلى ما بين المؤمنين ـ من سبق منهم ومن لحق ـ من نسب قريب ، ورحم ماسّة .. فيهم جميعا أبناء أب واحد ، هو الإسلام ، الذي يولدون فيه حالا بعد حال ، وجيلا بعد جيل.

وقوله سبحانه: « فِي كِتابِ اللَّهِ » يحتمل وجهين: إما أن يكون متعلقا بقوله تعالى: « أولى » ويكون المعنى: وأولوا الأرحام ـ أي المؤمنون ـ بعضهم أولى ببعض فيما جاء في كتاب اللّه ، أي دين اللّه ، الذي حمله كتاب اللّه وهو القرآن .. بمعنى أن ولاء المؤمنين بعضهم لبعض ، إنما هو فيما هو حق وخير وإحسان ، وهذا الخير والإحسان مما هو في كتاب اللّه ، الذي آمنوا به ، ودانوا بشريعته. وإما أن يكون استئنافا ، هو جواب لسؤال مقدر ، وتقديره: « من أين جاء هذا الحكم الذي قرّرته الآية في قوله تعالى: « وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ » ؟

فكان الجواب: « فِي كِتابِ اللَّهِ » أي في علم اللّه ، وفيما أقام العباد عليه ، حيث جعل بين أولى الأرحام مودة ، ورحمة ، وولاء .. ومثل هذا ما جاء في قوله: « إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ » أي في علمه وتقديره ، وتدبيره .. « إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. [1]

والولاية بين المسلمين في إبان نشأة المجتمع المسلم إلى يوم بدر ، كانت ولاية توارث وتكافل في الديات وولاية نصرة وأخوة قامت مقام علاقات الدم والنسب والقرابة .. حتى إذا وجدت الدولة ومكن اللّه لها

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 683)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت