فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 608

فجاء قوله تعالى: « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » ؟ قاضيا على هذا التردد ، قاطعا كل شك .. فلا ينبغى بعد هذا أن يكون المؤمنون على رأيين في المنافقين ، وإنما هو رأى واحد لا خلاف عليه .. وهو أن هؤلاء المنافقين ، منافقون ،قولا واحدا ، وأن على المسلمين جميعا أن يعاملوهم معاملة المشركين والكافرين ، وأن يحذروهم حذر المنافقين والمشركين ..

وقوله تعالى: « فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ » هو استفهام إنكارى ، أن يكون المسلمون فريقين في أمر المنافقين ، فريقا يحذرهم ويتخذهم عدوا ، وفريقا آخر يقف منهم موقف التردد والترقب ، تمحيصا لما في قلوبهم ، واختبارا لما في صدورهم .. وذلك ما ينكره اللّه سبحانه على هذا الفريق ، الذي وقف من هؤلاء المنافقين هذا الموقف المتردد ..

وقوله تعالى: « وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا » هو توكيد قاطع لما حكم اللّه به هو على هؤلاء المنافقين ، وأنهم أهل ضلال وفساد ، لا يرجى لهم صلاح أبدا .. فقد أقامهم اللّه على هذا النفاق ، ودمغهم به ، بسبب ما كان منهم من مكر بآيات اللّه ، والتواء على صراطه المستقيم ، وتلاعب بشرعه القويم! وقوله تعالى: « أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ » استفهام إنكارى أيضا ، على تلك الفئة من المسلمين التي لا تزال تحت تأثير هذا الخداع الذي يلوح لهم من قبل المنافقين ، ويتوقعون من جهتهم الخير والصلاح .. وكلا ، فقد أضلّهم اللّه .. فهل في الناس من هو قادر على أن يهدى من أضله اللّه ؟ « وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا » .. فإنه لا سبيل له غير هذا السبيل الذي سلكه ، سبيل النفاق ، الذي سيمضى فيه إلى غايته ، التي تنتهى به إلى جهنم وبئس المهاد.

ويعيش المنافق في صحبة شعور مزعج ، وهو أنه يحمل جريمة ، يحاول إخفاءها عن الناس ، ولكن عيون الناس تتبعه حيث كان ، تبحث عن هذا الشيء الذي يخفيه ، ويبالغ هو في ألا يراه أحد .. هكذا هو أبدا مع هذا الشعور المتسلط عليه ..وقد يكون الناس في غفلة عنه ، وفى غير التفات إليه ، ولا مراقبة له ، ومع هذا فإن الجريمة التي يحملها معه ، لا تدع له سبيلا إلى الاطمئنان والهدوء ، بل تراه دائما على حذر ، يرصد الناس ، ويسترق النظر إليهم ، بل يكاد يسألهم:عمّ يبحثون ؟ وماذا يريدون ؟ وما هى الجريمة ؟ ومن المجرم ؟ .. وفيه يصدق المثل الذي يقول: « يكاد المريب يقول: خذونى » !

إن المنافق أشبه بمجرم في قفص الاتهام .. والمجتمع الذي يعيش فيه هو الذي يحاكمه ، ويحاصره ، ويأخذ عليه كل سبيل للإفلات من تلك النظرات المتهمة له ، الفاضحة لجرمه.

ومن هنا يقوم في كيان المنافق شعور آخر ، يواجه به شعور الخوف والقلق الذي يستولى عليه ، من إحساسه بمراقبة الناس له ، واطلاعهم على خبيئة أمره ، وفضحهم لخفىّ نفاقه ـ هذا الشعور الآخر ، هو الرغبة في أن يرى الناس جميعا من حوله ، صورة منه .. فلا يلقون أنظارهم إليه ، ولا يلتفت هو إليهم ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت