ولا يحاول أن يستر فعلته عنهم ، إذ كانوا جميعا على شاكلته ..فإن المجرم بين المجرمين ، لا يستحى أن يكشف عن جرائمه ، بل وربما بالغ فيها ، ليرى أصحابه منه أنه عريق في الإجرام ، يستأهل مكان الصدارة في المجرمين! ومن هنا كان المنافقون يسعون دائما إلى إفساد المؤمنين وإغوائهم ، وتزيين النفاق لهم ، وتحبيب الكفر إليهم ، ليكونوا معهم في هذا البلاء ، وليقتسموا المحنة التي يعيشون بين المجتمع فيها! وفى قوله تعالى: « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً » ـ ما يكشف عن هذا الشعور الذي يحرك المنافقين إلى إفساد المؤمنين ، ليؤنسوا وحشتهم ، وليفكوا قيدهم الذي يمسك بهم في محيط محدود لا يتجاوزونه! حتى إذا امتلأت الأرض نفاقا ، كان لهم أن يسرحوا ويمرحوا كيف يشاءون ، وأن يظهروا ما ستره النفاق منهم ، من كفر وإلحاد .. ولهذا جاء التعبير القرآنى: « وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا » بديلا مما يقضى به الظاهر وهو: « ودوا لو تنافقون كما نافقوا » ، لأن النفاق يستر وراءه الكفر .. فجاء التعبير القرآنى فاضحا هذا الكفر المستتر وراء النفاق ..
وقوله تعالى: « فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » هو تحذير من اللّه للمؤمنين أن يوالوا هؤلاء المنافقين ، وأن يأمنوا جانبهم ، ماداموا في موقفهم الذي اتخذوه من المؤمنين .. فإن تحوّلوا عن هذا الموقف ، وانحازوا إلى جماعة المؤمنين ، وخالطوهم ، وأخذوا مأخذهم في الحياة ، واستقاموا على طريقهم ، وهاجروا وجاهدوا في سبيل اللّه ـ إن هم فعلوا ذلك كان لهم ما للمؤمنين ، وعليهم ما عليهم ، وكان على المؤمنين ضمّهم إليهم ، وجمعهم معهم .. فإن أبوا إلا أن يظلوا في هذا الموقع المنحرف بين المؤمنين والكافرين ، وجب على المؤمنين أن يعاملوهم معاملة العدوّ الراصد .. إذا وقعوا لأيديهم في معركة كان جزاؤهم القتل ، وإن لم تصل إليهم يد المؤمنين بالقتل ، كان على المؤمنين أن يتجنبوهم ، وأن يحذروهم ، فلا يقبلوا منهم قولا ، ولو جاء في صورة النصح ، ولا يستنصروا بهم في حرب ، ولو أحاط بهم العدوّ ..
وقوله تعالى « إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ » هو استثناء من تلك المقاطعة التي أوجبها الإسلام على المسلمين في مواجهة المنافقين ..فإنه إذا انحاز هؤلاء المنافقون إلى جماعة ـ غير مؤمنة ـ بينها وبين المؤمنين ميثاق ، بالموادعة والمسالمة ـ لم يكن للمؤمنين أن يمدّوا أيديهم بأذى إلى هؤلاء المنافقين ، لأنهم صاروا في ذمة تلك الجماعة التي وادعها المسلمون وسالموها! وفى العدوان عليهم عدوان على تلك الجماعة ، ونقض للميثاق الذي عقده المسلمون معهم ، ووجب عليهم الوفاء به! وقوله تعالى: « أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ » هو عطف على المستثنى السابق .. يبيّن حكم جماعة أخرى من المنافقين جاءوا إلى المسلمين يطلبون الموادعة والمسالمة ، وهم مقيمون حيث هم في قومهم الذين لم يدخلوا في الإسلام .. فهؤلاء المنافقون ، قد كفّوا أيديهم عن المسلمين طلبوا الأمان