فهرس الكتاب

الصفحة 473 من 608

منهم ، وانحازوا جانبا .. لا يقاتلون المسلمين مع قومهم ، ولا يقاتلون قومهم مع المسلمين .. فهم ـ والأمر كذلك ـ فتنة نائمة ، وشر ساكن .. ومن مصلحة المسلمين ـ وهم في وجه عداوة وحرب ـ ألّا يحركوا هذا الشرّ ، وألا يوقظوا تلك الفتنة ..

وقوله تعالى: « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ » يبيّن الحكمة من موادعة هؤلاء المنافقين ومسالمتهم .. إذ كان من المتوقع أن يكونوا حربا على المسلمين مع قومهم ، وأما وقد كفّوا أيديهم واعتزلوا الحرب ، فلم يكونوا هنا أو هناك ، فإن موادعتهم كسب للمسلمين ، وإضعاف لقوة عدوّهم ، وفتح ثغرة في صفوفهم .. ربما كانت مدخلا يدخل منه كثيرون ، ممن يعتزلون حرب المسلمين ويكفون أيديهم عنهم ..

وقوله تعالى: « فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا » هو تنبيه للمسلمين إلى أخذ الحذر والحيطة من هؤلاء المنافين ، الذين قد يغلب عليهم طبعهم ، فلا يمسكون بالعهد الذي عاهدوا المسلمين عليه ، والذين ربما لو رأوا كفة قومهم هى الراجحة مالوا إليهم ، وقاتلوا معهم ، غير ملتفتين إلى عهد أو ميثاق .. ومن هنا كان على المسلمين أن يقيموا عهدهم معهم على هذا المفهوم ، وأنه عهد غير مطلق ، وإنما يوثقه أو ينقضه ما يكشف عنه واقع الحال من هؤلاء المنافقين ، فإن استقاموا استقام لهم المسلمون ، وإن نكثوا فلا عهد لهم عند المسلمين ولا ذمّة ..

وقوله تعالى: « سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها » بيان لما تكشف عنه التجربة من أمر هؤلاء المنافقين ، وأن جماعة منهم ، ركبها النفاق ، وغلب عليها حكمه ، فلم تكن موادعتها للمسلمين إلا ضربا من ضروب النفاق ، تريد به أن تضمن السلامة والعافية ، وأنه إذا انتصر المسلمون على قومهم ، كانوا هم بمأمن مما يجرى على قومهم من حكم الإسلام فيهم ، من قتل ، وسبى ، ومغنم .. وإذا انتصر قومهم ، كان لهم من صلتهم بهم وقرابتهم لهم ، ما يدفع عنهم بأسهم ، وضرهم ..

فهذه الجماعة من المنافقين إن لم تتحرر من نفاقها ، وإن لم تقم أمرها على وجه واحد مع المسلمين ، كان على المسلمين أن يأخذوهم بما يأخذون به أعداءهم ، لأنهم مخادعون ، مضللون ، يتخذون من خداعهم وتضليلهم جنّة يدفعون بها ما يتوقع من المسلمين من نصر ، وما وراء هذا النصر من بأساء وضراء تحيط بهم!" [1] "

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 854)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت