فهرس الكتاب

الصفحة 506 من 608

وَأكْثَرُ الأئِمَّةِ يَتَّفِقُونَ عَلَى أنَّ هَاتَينِ الآيَتَينِ نَزَلَتَا فِي جَمَاعةٍ مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ ، قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَتَكَلَّمُوا بِالإسْلاَمِ فَوَجَدُوا المَدِينَةَ رَدِيئَةَ المُنَاخِ ، فَأَمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ بِبَعْضِ الإِبْلِ وَبِرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ بِالخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ إلَى أَطْرَافِهَا لِيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ، وَاسْتَاقُوا الإبِلَ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيِّ فَأَرْسَلَ فِي الطَلَبِ فِي آثَارِهِمْ ، فأُتِيَ بِهِمْ إلى النَّبِيِّ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِهِمْ ، فَسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ ، وَقُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ وَتُرِكُوا حَتَّى مَاتُوا .

فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ لِبَيَانِ عُقُوبَةِ المُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ .

فَإِذا تَابَ الجُنَاةُ المُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِمُ السُّلْطَةُ فِي البَلَدِ ، سَقَطَ عَنْهُمُ العِقَابُ المَفْرُوضُ ( وَهُوَ القَتْلُ أَوْ الصَّلْبُ أَوْ قَطْعُ اليَدَينِ . . ) وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ، يَقْبَلُ تَوْبَةَ مَنْ تَابَ ، وَهُوَ مُخْلِصٌ فِيهَا ، لأنَّ تَوْبَتَهُمْ وَهُمْ فِي قُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تَكُونَ خَالِصَةً للهِ ، صَادِرَةً عَنْ اعْتِقَادٍ بِقُبْحِ الذَّنْبِ ، وَالعَزْمِ عَلَى تَرْكِ العَوْدَةِ إلى فِعْلِ مِثْلِهِ ( وَلَكِنْ تَبْقَى عَلَيهِمْ حُقُوقُ العِبَادِ ) .

وقال المراغي:"بعد أن أبان سبحانه فظاعة جرم القتل ، وشدّد في تبعة القاتل فذكر أن من قتل نفسا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعا - ذكر هنا العقاب الذي يؤخذ به المفسدون في الأرض حتى لا يتجرأ غيرهم على مثل فعلهم ، وقد ذهب أكثر الأئمة إلى أن الآيتين نزلتا في عكل وعرينة ،"

فقد روى أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن عن أنس « أن ناسا من عكل وعرينة قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وتكلموا بالإسلام ، فاستوخموا المدينة (وجدوها رديئة المناخ) فأمر لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذود (بضع من الإيل) وراع وأمرهم أن يخرجوا فليشربوا من أبوالها وألبانها ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرّة كفروا بعد إسلامهم ، وقتلوا راعى النبي واستاقوا الذود ، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث الطلب في آثارهم ، فأمر بهم فسّمروا أعينهم (كحلوها بمسامير الحديد المحماة) وقطعوا أيديهم وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم » زاد البخاري أن قتادة الذي روى الحديث عن أنس قال: « بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك كان يحثّ على الصدقة وينهى عن المثلة » وروى أبو داود والنسائي عن أبى الزناد « أن رسول اللّه لما قطع الذين سرقوا لقاحه وسمل أعينهم بالنار ، عاتبه اللّه في ذلك فأنزل: (إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا) الآية.

(إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ) أي إن جزاء الذين يفعلون ما ذكر - عقابهم ما سيذكر بعد على سبيل الترتيب والتوزيع على جناياتهم ومفاسدهم لكل منها ما يليق بها من العقوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت