فهرس الكتاب

الصفحة 517 من 608

الَّذِي حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ ، ثُمَّ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: (يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) (39: 53) الْآيَةَ ، فَاسْتَعَادَهَا ، فَأَعَادَهَا الْقَارِئُ ، فَغَمَدَ سَيْفَهُ ، وَجَاءَ الْمَدِينَةَ تَائِبًا بَعْدَ أَنْ عَجَزَتِ الْحُكُومَةُ وَالنَّاسُ عَنْهُ ، فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَاءَ بِهِ إِلَى وَالِي الْمَدِينَةِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ، وَقَالَ لَهُ: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا قَتْلَ ، فَتُرِكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .

(خُلَاصَةُ الْآيَتَيْنِ وَقِتَالُ الْبُغَاةِ وَطَاعَةُ الْأَئِمَّةِ) قَدْ عُلِمَ مِنَ التَّفْصِيلِ السَّابِقِ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ خَاصَّتَانِ بِعِقَابِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ; أَيِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ أَعْمَالًا مُخِلَّةً بِالْأَمْنِ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ ، مُعْتَصِمِينَ فِي ذَلِكَ بِقُوَّتِهِمْ ، غَيْرَ مُذْعِنِينَ لِلشَّرِيعَةِ بِاخْتِيَارِهِمْ . فَيَجِبُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْحُكَّامِ أَنْ يُطَارِدُوهُمْ وَيَتْبَعُوهُمْ ، فَإِذَا قَدَرُوا عَلَيْهِمْ عَاقَبُوهُمْ بِتِلْكَ الْعُقُوبَاتِ ، بَعْدَ تَقْدِيرِ كُلِّ مَفْسَدَةٍ بِقَدْرِهَا ، وَمُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ ، وَسَدِّ ذَرِيعَةِ الْفَسَادِ ، وَمَنْ تَابَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا يُعَاقَبُ بِمَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَإِنَّمَا حُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ النَّاسِ .

وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْخَوَارِجِ ، وَأَوْرَدُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُنْبِئَةِ بِصِفَاتِ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ فِي عَهْدِ خِلَافَتِهِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ ، وَقَدْ قَاتَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَوَارِجَ بِرَأْيِ مَنْ مَعَهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُعَامِلْهُمْ بِعُقُوبَاتِ آيَةِ الْمُحَارِبِينَ الْمُفْسِدِينَ ; إِذْ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمُ الْإِفْسَادَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا تَخْرِيبَ الْعُمْرَانِ وَإِزَالَةَ الْأَمْنِ ، وَإِنَّمَا هُمْ قَوْمٌ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ الْعَادِلِ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مُتَأَوِّلِينَ ، زَاعِمِينَ أَنَّهُ زَلَّ عَنْ صِرَاطِ الْحَقِّ ، وَتَجَاوَزَ تَحْكِيمَ الشَّرْعِ إِلَى الرَّأْيِ .

وَقَدِ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسْأَلَةِ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَحُكْمِ مَنْ يَخْرُجُ ; لِاخْتِلَافِ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالصَّبْرِ وَتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَمُقَاوَمَةِ الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ ، وَلَمْ أَرَ قَوْلًا لِأَحَدٍ جَمَعَ بِهِ بَيْنَ كُلِّ مَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَوَضَعَ كُلًّا مِنْهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سَبَبُ وُرُودِهِ ، مُرَاعِيًا اخْتِلَافَ الْحَالَاتِ فِي ذَلِكَ ، مُبَيِّنًا مَفْهُومَاتِ الْأَلْفَاظِ بِحَسَبِ مَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ بِهِ فِي زَمَنِ التَّنْزِيلِ دُونَ مَا بَعْدَهُ . مِثَالُ هَذَا لَفْظُ"الْجَمَاعَةِ"إِنَّمَا كَانَ يُرَادُ بِهِ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُقِيمُ أَمْرَ الْإِسْلَامِ بِإِقَامَةِ كِتَابِهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَكِنْ صَارَتْ كُلُّ دَوْلَةٍ أَوْ إِمَارَةٍ مِنْ دُوَلِ الْمُسْلِمِينَ تَحْمِلُ كَلِمَةَ الْجَمَاعَةِ عَلَى نَفْسِهَا ، وَإِنْ هَدَمَتِ السُّنَّةَ وَأَقَامَتِ الْبِدْعَةَ وَعَطَّلَتِ الْحُدُودَ وَأَبَاحَتِ الْفُجُورَ ، وَمِثَالُ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ تَعَدُّدُ الدُّوَلِ ؛ فَأَيُّهَا تَجِبُ طَاعَتُهُ وَالْوَفَاءُ بِبَيْعَتِهِ ؟ وَإِذَا قَاتَلَ أَحَدُهَا الْآخَرَ ؛ فَأَيُّهَا يُعَدُّ الْبَاغِيَ الَّذِي يَجِبُ عَلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ قِتَالُهُ حَتَّى يَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ؟ كُلُّ قَوْمٍ يُطَبِّقُونَ النُّصُوصَ عَلَى أَهْوَائِهِمْ مَهْمَا كَانَتْ ظَاهِرَةً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت