فهرس الكتاب

الصفحة 518 من 608

وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا أَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ،"وَإِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ"، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ إِذَا ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَاجِبٌ ، وَأَنَّ إِبَاحَةَ الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ ; كَالزِّنَا وَالسُّكْرِ وَاسْتِبَاحَةِ إِبْطَالِ الْحُدُودِ ، وَشَرْعِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ ، كُفْرٌ وَرِدَّةٌ ، وَأَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا حُكُومَةٌ عَادِلَةٌ تُقِيمُ الشَّرْعَ وَحُكُومَةٌ جَائِرَةٌ تُعَطِّلُهُ ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُ الْأُولَى مَا اسْتَطَاعَ ، وَأَنَّهُ إِذَا بَغَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أُخْرَى ، وَجَرَّدَتْ عَلَيْهَا السَّيْفَ ، وَتَعَذَّرَ الصُّلْحُ بَيْنَهُمَا ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قِتَالُ الْبَاغِيَةِ الْمُعْتَدِيَةِ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ ، وَمَا وَرَدَ فِي الصَّبْرِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ - إِلَّا إِذَا كَفَرُوا - مَعَارَضٌ بِنُصُوصٍ أُخْرَى ، وَالْمُرَادُ بِهِ اتِّقَاءُ الْفِتْنَةِ وَتَفْرِيقُ الْكَلِمَةِ الْمُجْتَمِعَةِ ، وَأَقْوَاهَا حَدِيثُ:"وَأَلَّا تُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ ، إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا". قَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْكُفْرِ هُنَا الْمَعْصِيَةُ ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُنَازَعَةَ الْإِمَامِ الْحَقِّ فِي إِمَامَتِهِ لِنَزْعِهَا مِنْهُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِذَا كَفَرَ كُفْرًا ظَاهِرًا ، وَكَذَا عُمَّالُهُ وَوُلَاتُهُ ، وَأَمَّا الظُّلْمُ وَالْمَعَاصِي فَيَجِبُ إِرْجَاعُهُ عَنْهَا مَعَ بَقَاءِ إِمَامَتِهِ وَطَاعَتِهِ فِي الْمَعْرُوفِ دُونَ الْمُنْكَرِ ، وَإِلَّا خُلِعَ وَنُصِّبَ غَيْرُهُ . وَمِنْ هَذَا الْبَابِ خُرُوجُ الْإِمَامِ الْحُسَيْنِ سِبْطِ الرَّسُولِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ عَلَى إِمَامِ الْجَوْرِ وَالْبَغْيِ الَّذِي وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْقُوَّةِ وَالْمَكْرِ ، يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ خَذَلَهُ اللهُ وَخَذَلَ مَنِ انْتَصَرَ لَهُ مِنَ الْكَرَّامِيَّةِ وَالنَّوَاصِبِ الَّذِينَ لَا يَزَالُونَ يَسْتَحِبُّونَ عِبَادَةَ الْمُلُوكِ الظَّالِمِينَ عَلَى مُجَاهَدَتِهِمْ لِإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالدِّينِ . وَقَدْ صَارَ رَأْيُ الْأُمَمِ الْغَالِبُ فِي هَذَا الْعَصْرِ وُجُوبَ الْخُرُوجِ عَلَى الْمُلُوكِ الْمُسْتَبِدِّينَ الْمُفْسِدِينَ ، وَقَدْ خَرَجَتِ الْأُمَّةُ الْعُثْمَانِيَّةُ عَلَى سُلْطَانِهَا عَبْدِ الْحَمِيدِ خَانْ ، فَسَلَبَتِ السُّلْطَةَ مِنْهُ وَخَلَعَتْهُ بِفَتْوَى مِنْ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ، وَتَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِمُصَنَّفٍ خَاصٍّ ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى وَرَجَّحَ الْحَقَّ عَلَى الْهَوَى ." [1] "

وفي الظلال:"وحدود هذه الجريمة التي ورد فيها هذا النص ، هي الخروج على الإمام المسلم الذي يحكم بشريعة اللّه ، والتجمع في شكل عصابة ، خارجة على سلطان هذا الإمام ، تروع أهل دار الإسلام وتعتدي على أرواحهم وأموالهم وحرماتهم. ويشترط بعض الفقهاء أن يكون ذلك خارج المصر بعيدا عن مدى سلطان الإمام. ويرى بعضهم أن مجرد تجمع مثل هذه العصابة ، وأخذها في الاعتداء على أهل دار الإسلام بالقوة ، يجعل النص منطبقا عليها. سواء خارج المصر أو داخله. وهذا هو الأقرب للواقع العملي ومجابهته بما يستحقه."

وهؤلاء الخارجون على حاكم يحكم بشريعة اللّه المعتدون على أهل دار الإسلام المقيمين للشريعة (سواء كانوا مسلمين أو ذميين أو مستأمنين بعهد) لا يحاربون الحاكم وحده ، ولا يحاربون الناس وحدهم. إنما

(1) - تفسير المنار - (6 / 294)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت