فهرس الكتاب

الصفحة 576 من 608

"فهذا أمر من اللّه إليكم ، وهو ألا تهنوا ، أو تتخاذلوا في موقفكم من العدو ، وألا تطلبوا السلم .. فإن طلب السلم لا يحمله أعداؤكم إلّا أنه ضعف منكم وشعور بالهزيمة ، وهذا من شأنه أن يغري العدو بكم ، ويشدد وطأته عليكم ، ولا يجيبكم إلى السلم الذي تدعون إليه ، لأنه يراكم غنيمة ليده ..هذا ويلاحظ أن ما طلبه اللّه سبحانه وتعالى من المؤمنين في قوله سبحانه: « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ » ـ لم يلقهم سبحانه به لقاء مباشرا ، بل جاء هذا الطلب إلى المؤمنين ، بعد وقفة طويلة معهم على مجتمع الكافرين والمنافقين ، حيث يرمو من اللّه بنذر من رجوم البلاء والهلاك ، ثم بعد دعوتهم إلى أن يجعلوا إيمانهم باللّه قائما على الطاعة والولاء للّه ورسوله ، وكان هذا كله تمهيدا لأن يتلقى المسلمون قوله تعالى: « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ » ، وأن يستجيبوا له ..فلا يقع منهم في ميدان القتال فتور أو تخاذل ، وبهذا يحاربون ، وقلوبهم على إيمان بالنصر الذي وعد اللّه المؤمنين ، فلا يمدون أيديهم مستسلمين للعدو أبدا."

وهذا الأسلوب الذي جاء عليه الطلب في قوله: « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ » ـ يدلُّ على مزيد من العناية بهذا الطلب ، وإلفات المخاطبين به إلى ما لهذا المطلوب من قدر وخطر ..

والحق أن قوله تعالى: « فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ » هو دعوة إلى ما لا يقوم الإيمان إلّا به ، ولا تقوم للمؤمنين دولة إلا عليه ، وهو الجهاد في سبيل اللّه ومواجهة أعداء اللّه وأعداء المؤمنين ـ مواجهتهم بالقوة التي تردّ بأسهم ، وتبطل كيدهم ، حتى يسلم المؤمنون منهم ، ومن أن يكونوا تحت يدهم ، فيفتنوهم في دينهم ..

وإنه ليس هناك عدو يستطيع أن يقف في وجه المسلمين المجاهدين في سبيل اللّه ، إذا هم أعطوا الجهاد حقه .. مهما كان قليلا عددهم وعدتهم ، بالنسبة إلى عدد عدوهم وعدّته ..

وحق الجهاد ، هو أن يقوم على نية القتال والقتل في سبيل اللّه .. ومن كان من المجاهدين على تلك النية ، فإنه لا ينظر إلى كثرة العدو ، ولا يقيم موازنة بين جيش المسلمين وجيش العدوّ ، على أساس العدد والعتاد ، فإن ذلك إن وقع في شعور المجاهد ، حارب بنفس متخاذلة ، وبقلب يخفق خفقات الهزيمة .. فذلك كله يجب ألا يكون في حساب المجاهد شىء منه .. فهو يجاهد ، ويقاتل في سبيل اللّه ، ولن تبرأ ذمته من أداء هذه الأمانة ـ أمانة الجهاد ـ إلا إذا رجع من جهاده بإحدى الحسنيين ، إما النصر على العدوّ ، والفوز بالغنائم ، وإما الموت والفوز بالشهادة .. فالمؤمنون بهذه المشاعر هم الأعلون دائما ..

إن المجاهد ـ حقّ المجاهد ـ هو الذي يقاتل العدوّ بكل ما لديه من قوة ، وأن يكون وجهه للعدو ، ولأسلحة العدو ، يضرب ويضرب ، وينفذ ضرباته في العدو ، ويتقي ضربات العدو له ، غير مبال إن وقع على الموت أو وقع الموت عليه ..!

والحرب النفسية أداة من أدوات الحرب ، وسلاح ماض من أسلحة القتال ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت