وكم تركت هذه الأداة من آثار سجلها التاريخ لها ، فهزمت الأبطال ، ومزقت الجيوش ، ومكنت الفئة القليلة من أن تغلب الفئة الكثيرة ..
وهل كان ميزان المؤمنين ثقيلا في ميدان القتال ، حتى ليعد الواحد منهم بعشرة من عدوهم ـ هل كان هذا الميزان ثقيلا إلّا لما امتلأت به مشاعر المؤمنين من إيمان باللّه ، وثقة في ثوابه ، وتصديق بوعده الذي وعد المجاهدين ؟ وهل استخف المؤمنون بالموت ، إلا لما امتلأت به قلوبهم من إيمان بالحياة الآخرة ، وأن حياتهم الدنيا هذه ، ليست إلا مرحلة على طريق الحياة الأبدية الخالدة ؟ .
النفس إذن ، وما تحمل من مشاعر ، هي التي تحدد موقف المحارب في جبهة القتال ، وهي التي تزين له الموت في الميدان ، أو تغريه بالنجاة والفرار ..
فحبّ الجبان النفس أورده التقى وحبّ الشجاع النفس أورده الحربا!!
فكلا الجبان والشجاع محبّ لنفسه ، ولكن شتان بين حبّ وحب ..
فالجبان يحبُّ نفسه لابسة جسده ، ولو كانت مهينة ذليلة ، ترعى المهانة ، وتسام الخسف!
والشجاع يحب نفسه عزيزة كريمة ، فإنه إن رأى أنها لن تسكن إليه إلا على مركب الذل والهوان ، ضنّ بها على أن تلقى الإهانة والإذلال في هذا المقام ، مقام الجسد ، فأوردها مورد القتل ، لتخلص من هذا البلاء ، وتأخذ طريقها إلى العالم الآخر ..
وليست الحرب النفسية سلاحا يتحصن به المحاربون ، ضد عوامل الوهن والضعف ، التي تدخل عليهم في ميدان القتال ، وإنما هي سلاح أيضا يستخدمه المحاربون في التدسس إلى عدوّهم ، وإشاعة الرعب في نفوسهم ، وإشعال نار الفتن بينهم .. وذلك مجال فسيح للعمل والتدبير ، يحتاج إلى العقل الذكي ، والبصيرة النافذة ، والنظر المتفحص ، وإلا ارتد هذا السلاح إلى اليد التي تضرب به .. ذلك أن المعركة هنا معركة هنا معركة داخل النفس البشرية ، التي لا ساحل لها ، ولا نهاية لأعماقها ، والتي هى دائما في معرض التقلب والتحول ، وفى معاناة المدّ والجزر .. فمن جاءها على حال غير مواتية لها ، غير جارية مع الريح التي تجرى فيها ، لم يبلغ منها شيئا ، بل ربما انقلبت حربا عليه.
وقد اهتدى الإنسان بطبيعته ، إلى أن تكون النفس ميدانا من ميادين الحرب التي يشتبك فيها مع غيره من بني جنسه ، وأن يتخذ منها درعا واقية له ..حيث يدخل المعركة ، وقد صفىّ حسابه بينه وبين نفسه ، وأجلى عنها كل نوازع الخوف من الموت ، أو الإشفاق على ما يخلّف وراءه من ولد ، وأهل ، وصديق ..
يقول قطرىّ بن الفجاءة: وقد راودته نفسه على أن يطلب السلامة ، ويدع مواطن الحرب ، وما يتعرض له المحاربون من قتل .. يقول: