فهرس الكتاب

الصفحة 590 من 608

أَمَّا فِي حَالَةِ خَوْفِ وُقُوعِ الضَّرَرِ عَلَى أَكْثَرِ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ يَجُوزُ رَمْيُهُمْ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ ، لأَِنَّهَا حَالَةُ ضَرُورَةٍ أَيْضًا ، وَتَسْقُطُ حُرْمَةُ التُّرْسِ .

وَيَقُول الصَّاوِيُّ الْمَالِكِيُّ: وَلَوْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ الْمُتَتَرَّسُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَاهِدِينَ . وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَجُوزُ ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ مُجَرَّدَ الْخَوْفِ لاَ يُبِيحُ الدَّمَ الْمَعْصُومَ ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الْخَوْفُ عَلَى بَعْضِ الْغَازِينَ فَقَطْ . [1]

وَأَمَّا فِي حَالَةِ الْحِصَارِ الَّذِي لاَ خَطَرَ فِيهِ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، لَكِنْ لاَ يُقْدَرُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ إِلاَّ بِرَمْيِ التُّرْسِ ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَالشَّافِعِيَّةِ ، وَجُمْهُورِ الْحَنَابِلَةِ ، وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى الْمَنْعِ ، لأَِنَّ الإِْقْدَامَ عَلَى قَتْل الْمُسْلِمِ حَرَامٌ ، وَتَرْكُ قَتْل الْكَافِرِ جَائِزٌ . أَلاَ يُرَى أَنَّ لِلإِْمَامِ أَلاَّ يَقْتُل الأُْسَارَى لِمَنْفَعَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَانَ مُرَاعَاةُ جَانِبِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلأَِنَّ مَفْسَدَةَ قَتْل الْمُسْلِمِ فَوْقَ مَصْلَحَةِ قَتْل الْكَافِرِ .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ رَمْيِهِمْ ، وَعَلَّل الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنَّ فِي الرَّمْيِ دَفْعَ الضَّرَرِ الْعَامِّ ، وَأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو حِصْنٌ عَنْ مُسْلِمٍ ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل الضَّرُورَةِ [2] .

ب - الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ: وَمِنْ نَاحِيَةِ الْكَفَّارَةِ وَالدِّيَةِ عِنْدَ إِصَابَةِ أَحَدِ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ نَتِيجَةَ رَمْيِ التُّرْسِ ، فَإِنَّ جُمْهُورَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَا أَصَابُوهُ مِنْهُمْ لاَ يَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ وَلاَ كَفَّارَةٌ ، لأَِنَّ الْجِهَادَ فَرْضٌ ، وَالْغَرَامَاتُ لاَ تُقْرَنُ بِالْفُرُوضِ ، لأَِنَّ الْفَرْضَ مَأْمُورٌ بِهِ لاَ مَحَالَةَ ، وَسَبَبُ الْغَرَامَاتِ عُدْوَانٌ مَحْضٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَبَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ ، فَوُجُوبُ الضَّمَانِ يَمْنَعُ مِنْ إِقَامَةِ الْفَرْضِ ، لأَِنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ لُزُومِ الضَّمَانِ ، وَهَذَا لاَ يَتَعَارَضُ مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الإِْسْلاَمِ دَمٌ مُفْرَجٌ [3] - أَيْ مُهْدَرٌ - لأَِنَّ النَّهْيَ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ الْبُغَاةُ وَقُطَّاعُ الطَّرِيقِ ، فَتُخَصُّ صُورَةُ النِّزَاعِ ، كَمَا أَنَّ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ خَاصٌّ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ . [4]

(1) - الوجيز 2 / 190 ط 1317 هـ ، والشرح الصغير وبلغة السالك 1 / 357 ط مصطفى الحلبي .

(2) - المراجع السابقة .

(3) - أورده ابن الأثير في النهاية نقلا عن الهروي بلفظ"العقل على المسلمين عامة ، فلا يترك في الإسلام دم مفرج"ولم يصرح بأنه حديث نبوي ( قلت: لا أصل له ) . وفي مُصَنَّفُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيِّ ( 17612 ) عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ , قَالَ: حَبْسُ الْإِمَامِ بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ ظُلْمٌ , قَالَ: وَقَالَ عَلِيٌّ:"أَيُّمَا قَتِيلٍ وُجِدَ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ , فَدِيَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ , لِكَيْلَا يَبْطُلَ دَمٌ , فِي الْإِسْلَامِ , وَأَيُّمَا قَتِيلٍ وُجِدَ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ , فَهُوَ عَلَى أَسَفِّهِمَا - يَعْنِي أَقْرَبَهُمَا -"قلت: ولا يصح لانقطاعه

وانظر ( النهاية لابن الأثير 3 / 423 ط عيسى الحلبي ، وكنز العمال 15 / 143 نشر مكتبة التراث الإسلامي ) .

(4) - الفتح والعناية 4 / 287 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت