فالإمهال وسيلة ذات حدين، يمكن أن تكون نعمة على البعض ونقمة على البعض الآخر، ومن ينظر إلى واقع أمتنا اليوم يجد أن الكثير من المسلمين داخلون في هذه الحالة، فبعد أن نكثوا عهدهم مع الله وابتعدوا عن النهج القويم، ساروا يهتمون بمتاع الحياة الدنيا، غير مبالين بواجباتهم الدينية، من نصرة لدين الله ولإخوانهم المستضعفين والمجاهدين في كل مكان، بل منهم من تحول إلى أنصار للباطل بسبب خوفهم من ذهاب ما هم فيه من متاع دنيوي عابر، وبهذا يكونون قد سقطوا في امتحان الإمهال الرباني ولم ينفعهم في شيء، وتحول بالتالي إلى نقمة سرعان ما يسبقها عذاب الله وغضبه.
غضب الله قبل التيه:
ويأتي بعد أن تنتهي فترة الإمهال - كما سبق القول -، وغضب الله لا يتجلى دومًا في إلحاق الأذى المادي - كما أصاب الأمم التي سبقتنا - بل إنه أحيانًا يأخذ صورًا مختلفة، كأن يُفتن المرء عن دينه وينغمس في الشهوات فلا يستطيع الخروج من هذا المستنقع الآسن إلا وهو محمول إلى قبره ليلقى مصيره المحتوم، ذلك هو شأن الكثير من الناس في هذا الزمان.
أو قد يكون عبارة عن تسليط العدو علينا وتمكينه من أرضنا وخيراتنا بل وحتى أعراضنا، وهي الصورة الأكثر ظهورًا وشيوعًا، إما عن طريق العدو الخارجي الذي يتمثل في التحالف الصليبي اليهودي الهندوسي، أو عن طريق أذنابهم من الحكام المرتدين وجيوشهم الجرارة وأجهزتهم القمعية في بلداننا، وذلك نكالًا من الله بسبب نكثنا للعهد وتركنا للواجبات، وعلى رأسها الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله.
وقد يكون عن طريق تسليط بعضنا على بعض، تكالبًا على الدنيا، أو دفاعًا عن الباطل، وهذا هو واقع المسلمين اليوم في كل مكان، أصبحنا أشداء على بعضنا رحماء مع أعدائنا، عادينا بعضنا البعض في سبيل الدنيا ووالينا أعداء الله لينصرونا على الحق وننصرهم على الباطل، أليس هذا ما تفعله أنظمتنا المرتدة منذ عدة عقود، فواليناها على بعضنا البعض، كما والوا هم أعداء الله على أبناء جلدتنا من الآمرين بالقسط والمجاهدين في سبيل الله، فعمَّنا عذاب الله وشملنا وعيد الله تعالى { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الأنفال: 25] .
والصورة الأخرى لعذاب الله وغضبه علينا هو هذا النقص في الأموال والثمرات، بالرغم من وجود خَزَّانات هائلة من الوقود والمعادن وخيرات الأرض والبحار في بلداننا، إلا أنها تذهب كلها إلى أعدائنا في أطباق من ذهب، وما تبقى منها ينهبها هؤلاء الإقطاعيون واللصوص من الحكام وأعوانهم، فيتسلط علينا الفقر والحاجة ليزيدا حالنا تأزمًا وضعفًا، وكل هذا بما كسبت أيدينا، حينما تركنا هؤلاء الظالمين يعيثون في الأرض فسادًا ولم نأخذ على أيديهم، وتركنا أموال الأمة في أيدي السفهاء والفاسدين ينفقونها على