فهرس الكتاب

الصفحة 597 من 608

شهواتهم، بل ينفقونها في محاربة دين الله وتمويل مشاريع الشيطان لنشر الفساد والرذيلة في مجتمعات المسلمين، ونحن نتفرج على هذه الجرائم ولا نستطيع إيقافها، بل منا من يشاركهم فيها باليد، حيث ترى جل المسلمين عبارة عن خدم لدى هؤلاء الطغاة المفسدين، بحجة البحث عن لقمة العيش، حتى ولو كانت ملوثة وعبارة عن حرام مسموم.

هذه هي بعض الصور التي يتجلى فيها غضب الله وعذابه للخلق، خاصة أولئك الذي عرفوا الحق فأنكروه، أو تكبروا عليه خوفًا من ذهاب بعض الدنيا، فحرمهم الله تعالى منها وألبسهم لباس الجوع والخوف والذل، فلا دنيا أصابوها ولا آخرة نالوها.

التيه قبل الاستبدال:

ومن أهم المحطات التي تمر بها الأمم قبل عملية الاستبدال، هي محطة التيه، وهي من أخطر المراحل وأقساها على النفوس، ومن أهم المراحل وأنفعها للدعوة ولأصحاب الحق. ذلك أنها تعتبر مرحلة تصفية للصفوف وتمحيص للنفوس، وفي هذا منافع عديدة ونفيسة للتجمعات الإيمانية. ولا يمكن أن ننسى في هذا المقام نموذج بني إسرائيل مع موسى عليه السلام، حينما أمرهم الله تعالى بدخول الأرض المقدسة فرفضوا فحكم عليهم بالتيه في صحراء سيناء لمدة أربعين سنة { قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } [المائدة: 26] . فكانت هذه الفترة فرصة لذهاب تلك الفئة المتقاعسة الملتوية ليحل محلها جيل قوي خشن، متمرن على القتال ومتعود على شظف العيش، فتح الله على أيديهم بيت المقدس بعد أربعين سنة.

لقد شاء الله عز وجل لهذه الأمة أن تكون خاتمة الأمم وشاهدة عليها { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [البقرة: 143] ، فعملية استبدالها غير واردة البتة، بخلاف عملية التيه. فبعد أن امتنعت نسبة كبيرة من الأمة عن أداء واجباتها، وتركت الجهاد في سبيل الله، سلط الله عليها ذلًا لا يمكن أن يُرفع عنها إلا بامتلاك أسباب القوة والمنعة وخوض غمار الجهاد مع الأعداء، فبالإضافة إلى هذا، أصبحت هذه الفئات تائهة في هذه الحياة، لا تجد فرجًا ولا مخرجًا.

فعلى مستوى الأفراد، نجد الكثير منهم - بسبب بعدهم عن دينهم القويم - غارقين في متاهات الحياة اليومية، لا يساهمون بشيء من شأنه أن يرفع هذا الضيم عن الأمة، بل لقد تحولوا إلى وسائل للتثبيط وذلك باستهلاكهم لبضائع الفساد، وبعدهم عن مواطن التأثير، وعدم استجابتهم لأصحاب الحق. جيل مخدوع تائه لا يهتم إلا بشهواته.

أما على مستوى الجماعات، فنجد أن أكثرها قد حاد عن النهج القويم، وسار يبتغي طرقًا ملتوية لبلوغ الغاية، فكان أن حكم الله عليها بالتيه والضياع، حتى وإن كانت تظن أنها على حق، فتحقق فيها قول الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت