فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 608

لِعِبَادِهِ وَمَحَبَّةِ عِبَادِهِ لَهُ ، وَالرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ الْمَحْرُومِينَ ، فَجَاءَ بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ ، وَتَسْكُنُ لَهُ النَّفْسُ ، وَيَنْثَلِجُ بِهِ الصَّدْرُ . وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ كَلَامٌ فِي ذَلِكَ هُوَ أَدَقُّ تَحْرِيرًا ، وَأَشَدُّ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ انْطِبَاقًا ، وَلِسِيرَةِ سَلَفِ الْأُمَّةِ مُوَافَقَةً . وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ التَّفْسِيرِ قَدْ طَالَ جِدًّا لَحَرَّرْتُ هَذَا الْمَوْضُوعَ هُنَا ، وَأَتَيْتُ بِخُلَاصَةِ أَقْوَالِ النُّفَاةِ الْمُعْتَرِضِينَ ، وَصَفْوَةِ أَقْوَالِ الْمُثْبِتِينَ ، وَلَكِنَّنَا نُرْجِئُ هَذَا إِلَى تَفْسِيرِ آيَةٍ أُخْرَى كَآيَةِ التَّوْبَةِ (9: 24) وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى حُبِّ اللهِ مِنْ قَبْلُ فِي تَفْسِيرٍ (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ) (2: 165) فَحَسْبُكَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ الْآنَ (رَاجِعْ ص55 وَمَا بَعْدَهَا ج2 ط الْهَيْئَةِ) .

(الصِّفَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ) : الذِّلَّةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْعِزَّةُ عَلَى الْكَافِرِينَ ، وَالْمَرْوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِمَا أَنَّهُمَا بِمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) (48: 29) وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ:"أَذِلَّةٍ"جَمْعُ ذَلِيلٍ ، وَأَمَّا"ذَلُولٌ"فَجَمْعُهُ ذُلُلٌ كَكُتُبٍ) وَوَجْهُ قَوْلِهِ: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) دُونَ"أَذِلَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ"بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُضَمِّنَ الذُّلَّ مَعْنَى الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ ; كَأَنَّهُ قَالَ: عَاطِفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّذَلُّلِ وَالتَّوَاضُعِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُمْ مَعَ شَرَفِهِمْ وَعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ ، وَفَضْلِهِمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ خَافِضُونَ لَهُمْ أَجْنِحَتَهُمْ .

(الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ) : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، وَأَصْلُ الْجِهَادِ احْتِمَالُ الْجَهْدِ وَالْمَشَقَّةِ ، وَسَبِيلُ اللهِ طَرِيقُ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى ، وَأَعْظَمُ الْجِهَادِ بَذْلُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي قِتَالِ أَعْدَاءِ الْحَقِّ ، وَهُوَ أَكْبَرُ آيَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِيهِمْ: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) (9: 47) وَضِعَافُ الْإِيمَانِ قَدْ يُجَاهِدُونَ ، وَلَكِنْ فِي سَبِيلِ مَنْفَعَتِهِمْ ، دُونَ سَبِيلِ اللهِ ، فَإِنْ رَأَوْا ظَفْرًا وَغَنِيمَةً ثَبَتُوا ، وَإِنْ رَأَوْا شِدَّةً وَخَسَارَةً انْهَزَمُوا ، وَهَلِ الْمُرَادُ بِهَذَا الْجِهَادِ هُنَا قِتَالُ الْمُرْتَدِّينَ ، أَمْ هُوَ عَلَى إِطْلَاقِهِ ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي ، وَلَكِنَّهُ يَتَنَاوَلُ مُقَاتِلِي الْمُرْتَدِّينَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ ، أَوَّلًا وَبِالْأَوْلَى .

(الصِّفَةُ السَّادِسَةُ) : كَوْنُهُمْ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ، وَجُمْلَةُ هَذَا الْوَصْفِ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا أَوْ مُبَيِّنَةٌ لِحَالِ الْمُجَاهِدِينَ ، وَفِيهَا تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ لَوْمَ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ لَهُمْ إِذَا هُمْ قَاتَلُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالْأَبْلَغُ أَنْ تَكُونَ لِلْوَصْفِ الْمُطْلَقِ ; أَيْ إِنَّهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَرُسُوخِهِمْ فِي الْإِيمَانِ لَا يَخَافُونَ لَوْمَةً مَا مِنْ أَفْرَادِ اللَّوْمِ أَوْ أَنْوَاعِهِ مِنْ لَائِمٍ مَا كَائِنًا مَنْ كَانَ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ رَغْبَةً فِي جَزَاءٍ أَوْ ثَنَاءٍ مِنَ النَّاسِ ، وَلَا خَوْفًا مِنْ مَكْرُوهٍ يُصِيبُهُمْ مِنْهُمْ ; فَيَخَافُونَ لَوْمَ هَذَا أَوْ ذَاكَ ، وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ الْعَمَلَ لِإِحْقَاقِ الْحَقِّ ، وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ ، وَتَقْرِيرِ الْمَعْرُوفِ ، وَإِزَالَةِ الْمُنْكِرِ ; ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ تَعَالَى بِتَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ وَتَرْقِيَتِهَا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت