(ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الصِّفَاتِ السِّتِّ فَضْلُ اللهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، فَيَفْضُلُونَ غَيْرَهُمْ بِهِ ، وَبِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْمَالِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مِرَارًا أَنَّ مَشِيئَتَهُ ، سُبْحَانَهُ ، لِمِثْلِ هَذَا الْفَضْلِ ، تَجْرِي بِحَسَبِ سُنَّتِهِ الَّتِي أَقَامَ بِهَا أَمْرَ النِّظَامِ فِي خَلْقِهِ ، فَمِنْهُمُ الْكَسْبُ وَالْعَمَلُ النَّفْسِيُّ وَالْبَدَنِيُّ ، وَمِنْهُ سُبْحَانَهُ آلَاتُ الْكَسْبِ وَالْقُوَى الْبَدَنِيَّةُ وَالْعَقْلِيَّةُ ، وَالتَّوْفِيقُ وَالْهِدَايَةُ الْخَاصَّةُ ، وَاللُّطْفُ وَالْمَعُونَةُ (وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْ فَضْلِهِ وَمِنَّتِهِ ، وَمَا يَقْتَضِيهِ مِنْ شُكْرِهِ وَعِبَادَتِهِ .
ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ مَنْ تَجِبُ مُوَالَاتُهُمْ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ تَوَلِّي مَنْ تَجِبُ مُعَادَاتُهُمْ ، فَقَالَ: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أَيْ لَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَاصِرٌ يَنْصُرُكُمْ إِلَّا اللهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ ، وَأَنْفُسُكُمْ بَعْضُكُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ، فَهُوَ نَفْيٌ لِنَصْرِ مَنْ يُسَارِعُ مِنْ مَرْضَى الْقُلُوبِ فِي تَوَلِّي الْكُفَّارِ مِنْ دُونِ اللهِ ، وَإِثْبَاتٌ لِنَصْرِ اللهِ وَوِلَايَتِهِ ، وَلِنَصْرِ مَنْ يُقِيمُ دِينَهُ مِنَ الرَّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ ، وَلَمَّا كَانَ لَقَبُ"الَّذِينَ آمَنُوا"يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَسْلَمَ فِي الظَّاهِرِ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْأَوْلِيَاءِ بِقَوْلِهِ: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) أَيْ دُونَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا آمِنًا بِأَفْوَاهِهِمْ ، وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ ، وَالَّذِينَ يَأْتُونَ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ دُونَ رُوحِهَا وَمَعْنَاهَا ، فَإِذَا قَامُوا إِلَيْهَا قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ ، وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا . فَالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِحَقِّ الْوِلَايَةِ هُمُ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ إِقَامَةً كَامِلَةً بِالْآدَابِ الظَّاهِرَةِ ، وَالْمَعَانِي الْبَاطِنَةِ ، وَالَّذِينَ يُعْطُونَ الزَّكَاةَ مُسْتَحِقِّيهَا ،وَهُمْ خَاضِعُونَ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى طَيِّبَةً نُفُوسُهُمْ بِأَمْرِهِ ، لَا خَوْفًا وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً ، أَوْ يُعْطُونَهَا ، وَهُمْ فِي ضَعْفٍ وَوَهْنٍ لَا يَأْمَنُونَ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ ، فَاسْتَعْمَلَ الرُّكُوعَ فِي الْمَعْنَى النَّفْسِيِّ لَا الْحِسِّيِّ ، وَهُوَ التَّطَامُنُ وَالْخُشُوعُ لِلَّهِ ، أَوِ الضَّعْفُ وَانْحِطَاطُ الْقُوَى . قَالَ فِي حَقِيقَةِ الرُّكُوعِ مِنَ الْأَسَاسِ: وَكَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ رَاكِعًا ، وَيَقُولُونَ:"رَكَعَ إِلَى اللهِ"؛ أَيِ اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ خَالِصًا ، قَالَ النَّابِغَةُ:
سَيَبْلُغُ عُذْرًا أَوْ نَجَاحًا مِنِ امْرِئٍ إِلَى رَبِّهِ رَبِّ الْبَرِيَّةِ رَاكِعُ
فَهَذَا هُوَ الشَّاهِدُ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَقَالَ فِي مَجَازِ الرُّكُوعِ: وَرَكَعَ الرَّجُلُ: انْحَطَّتْ حَالُهُ وَافْتَقَرَ ، قَالَ:
لَا تُهِينُ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ تَرَكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهُ
(وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) أَيْ إِذَا كَانَ اللهُ هُوَ وَلِيُّكُمْ وَنَاصِرُكُمْ ، وَكَانَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَوْلِيَاءَ لَكُمْ بِالتَّبَعِ لِوَلَايَتِهِ فَهُمْ بِذَلِكَ حِزْبُ اللهِ تَعَالَى وَاللهُ نَاصِرٌ لَهُمْ ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ تَعَالَى بِالْإِيمَانِ بِهِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ، وَيَتَوَلَّ الرَّسُولَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِنَصْرِهِمْ وَشَدِّ أَزْرِهِمْ ، وَبِالِاسْتِنْصَارِ