فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 608

فِي الْعَمَلِ وَالْأَثَرِ فِي الْقَلْبِ اللَّذَيْنِ هُمَا مَنَاطُ الْجَزَاءِ ، قَالَ تَعَالَى: وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ شَرْطِيَّةُ"إِذَا"فِي هَذَا الْمَقَامِ تُفِيدُ التَّكْرَارَ ، وَالْآيَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ خَبَرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الْجِهَادِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الْحَالِ الْخَاصَّةِ ، وَهَذِهِ الشَّنْشَنَةِ الْعَامَّةِ ، وَالْمَعْنَى:أَنَّهُ كُلَّمَا نَزَلَتْ سُورَةٌ تَدْعُو النَّاسَ أَوِ الْمُنَافِقِينَ بِبَعْضِ آيَاتِهَا إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ ، وَالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ ، أَيْ: نَاطِقَةٌ بِأَنْ آمِنُوا وَجَاهِدُوا اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ الطَّوْلُ: بِالْفَتْحِ يُطْلَقُ عَلَى الْغِنَى وَالثَّرْوَةِ ، وَعَلَى الْفَضْلِ وَالْمِنَّةِ ، وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ الطُّولِ (بِالضَّمِّ) ضِدُّ الْقِصَرِ . وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا أُولُو الْمَقْدِرَةِ عَلَى الْجِهَادِ الْمَفْرُوضِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، أَيِ: اسْتَأْذَنُوكَ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الْجِهَادِ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ أَيْ: دَعْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ فِي بُيُوتِهِمْ مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالزَّمْنَى الْعَاجِزِينَ عَنِ الْقِتَالِ ، وَالصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ غَيْرِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ .

وَفِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْقِتَالِ - أَوْ مُحَمَّدٍ: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (47: 20 و21) وَالْآيَاتُ دَلِيلٌ عَلَى جُبْنِ الْمُنَافِقِينَ وَضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ ، وَرِضَاهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ .

رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ رَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ مِنَ النِّسَاءِ - وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ - وَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِمْ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ ، فَهُوَ جَمْعُ خَالِفَةٍ ، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ مَا قَالَهُ عُلَمَاءُ اللُّغَةِ فِيهِ فِي تَفْسِيرِ: فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ مِنْ آيَةِ (83) .

وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ الطَّبْعُ عَلَى الْقُلُوبِ وَالْخَتْمُ عَلَيْهَا عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهَا لِشَيْءٍ جَدِيدٍ مِنَ الْعِلْمِ وَالْمَوْعِظَةِ غَيْرِ مَا اسْتَقَرَّ فِيهَا وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهَا ، وَصَارَ وَصْفًا وَوُجْدَانًا لَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا الِاسْتِعْمَالَ اللُّغَوِيَّ حَقِيقَتَهُ وَمَجَازَهُ لِلْكَلِمَةِ فِي تَفْسِيرِ: خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ (2: 7) وَفِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْأَعْرَافِ .

فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ أَيْ: فَلِأَجْلِ ذَلِكَ هُمْ لَا يَفْهَمُونَ مَا يُخَاطَبُونَ بِهِ فَهْمَ تَدَبُّرٍ وَاعْتِبَارٍ فَيَعْمَلُوا بِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَةَ مَعْنَى الْفِقْهِ فِي مَوَاضِعَ أَبْسَطُهَا تَفْسِيرُ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا (7: 179) مِنْ سُورَةِ الْأَعْرَافِ ، وَفِيهِ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْقَلْبِ .

لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى قُعُودِ الْمُنَافِقِينَ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ الرَّسُولِ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ عَمَلًا بِدَاعِي الْإِيمَانِ ، وَأَمْرِ اللهِ فِي الْقُرْآنِ ; لِأَنَّ مَا جَرَوْا عَلَيْهِ مِنَ النِّفَاقِ قَدْ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ بِمُقْتَضَى سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي التَّأْثِيرِ وَالِارْتِبَاطِ بَيْنَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ ، وَالْفِعْلِ وَالِانْفِعَالِ ، فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ مَا أُمِرُوا بِهِ فَيَعْمَلُوا بِهِ ، لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ، وَكَانُوا مَعَهُ فِي كُلِّ أُمُورِ الدِّينِ لَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت