وقوله تعالى: « لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » هو عرض للوجه الآخر المشرق الوضيء من وجهى هذا الموقف .. من أمر اللّه بالإيمان ، ودعوته إلى الجهاد ..فإذا كان المنافقون ، وأصحاب الطول فيهم ، قد نكصوا على أعقابهم ، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، فإن النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ والذين آمنوا معه ، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل اللّه .. فما أن دعاهم اللّه ورسوله إلى الجهاد حتى طاروا إليه سراعا ، ونفروا خفافا وثقالا.
وإذا كان المخلّفون قد ألبسهم للّه بتخلفهم ثوب الخزي ولذلة ، فإن رسول اللّه والمجاهدين معه ، قد تلقاهم اللّه حفيّا بهم ، موسعا لهم في رحاب فضله ورضوانه ، فملأ أيديهم من المغانم ، وكتب لهم النصر على عدوهم ، ومكن لهم في الأرض ، وأعدّ لهم في الآخرة جنات تجرى من تحتها الأنهار .. ورضوان من اللّه أكبر ..ذلك هو الفوز العظيم ..
وفى قوله تعالى: « وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ » .. العطف هنا بالواو ، إشارة إلى ما للرسول والمؤمنين المجاهدين معه ، عند اللّه ، من أوصاف كريمة ، غير تلك الأوصاف التي وصفها اللّه بهم ، وأن ما وصفوا به هنا ليس إلا من قبيل التنويه والإشارة إلى تلك الأوصاف التي لا تحصر ، وإن كان ذكر قليلها يغنى عن كثيرها ، لأنها كلها من باب واحد ، هو باب الخير والإحسان .. ويكون من مفهوم الآية الكريمة .. لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم .. أولئك رضى اللّه عنهم ، وأنزلهم منازل رحمته وإحسانه « وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ ، وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » .
وفى تكرار الإشارة إلى الرسول والمؤمنين المجاهدين في قوله تعالى: «وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » تأكيد للتنويه بهم ، وتقرير لدرجتهم العالية ، ومنزلتهم الكريمة التي أنزلهم اللّه إياها .. كما أن في ذلك إشارة إلى أن مقامهم هذا الرفيع الذي هم فيه ، لا تبلغه الإشارة التي يقصر عنها النظر ، وأنه لكى يمكن أن يرتفع النظر إلى هذا المستوي ، ينبغى أن يكون ذلك على مراحل يقطعها صعدا في الوصول إليهم.
« أُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ » . . فانظر إليهم .. إنهم هنا! لا .. إنهم هناك .. ولا .. إنهم فوق هذا .. « أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » فارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير!" [1] "
وفي تفسير المنار:"هَذَا بَيَانٌ لِحَالَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ ، الَّذِي هُوَ أَقْوَى آيَاتِ الْإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ ، وَمَا يُقَابِلُهُ مِنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ فِيهِ ، وَمَا بَيْنَ الْحَالَيْنِ مِنَ التَّضَادِّ"
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (5 / 861)