فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 608

إذَا تَخَلَّفَ الْمُنَافِقُونَ عَنِ الجِهَادِ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَالمُؤْمِنِينَ جَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، وَهَؤُلاَءِ وَعَدَهُمُ اللهُ بِالخَيْرَاتِ: فِي الدُّنْيَا بِتَحْقِيقِ النَّصْرِ ، وَمَحُوِ الْكُفْرِ ، وَإِعْلاَءِ كَلِمَةِ اللهِ ، وَالتَّمَتُّعِ بِالمَغَانِمِ ، وَفِي الآخِرَةِ بِرِضَا اللهِ وَجَنَّاتِهِ .

وَقَدْ أَعَدَّ اللهُ تَعَالَى لِهَؤُلاَءِ المُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ المُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، جَزَاءً لَهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ وَإِخْلاَصِهِمْ فِي طَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ ، جَنَّاتٍ تَجْرِي الأنْهَارُ فِي جَنَبَاتِهَا ، وَهَذَا هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ .

قال الخطيب:"أولو الطول: الطول: من طال الشيء بطوله ، أي قدر عليه وتمكن منه .. وأولوا الطول: هم أصحاب القدرة التي تمكن لهم من بلوغ ما لا يستطيع غيرهم بلوغه ، يجاههم ، وسلطانهم ، وأموالهم .."

والآية الكريمة ، تكشف عن وجه آخر من وجوه المنافقين ، وتفضح طائفة أخرى من طوائفهم ، وهم أصحاب الرياسة ، والسيادة ، والقدرة فيهم ..

هؤلاء المنافقون « إِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ » أي إذا أنزل قرآن يحمل إلى المؤمنين أمرا من اللّه سبحانه وتعالى ، يذكرهم بالإيمان باللّه ، ويدعوهم إلى الجهاد مع رسول اللّه .. « اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ » أي بادر أصحاب الطول هؤلاء ، إلى التحلل من هذا الأمر ، بالاعتذار إلى رسول اللّه ، واستئذانه في أن يعفيهم من إجابة هذه الدعوة ، والجهاد في سبيل اللّه ..

وفى قولهم « ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ » ما يكشف عن استخفافهم بأمر اللّه ، واسترواحهم للتحلل منه ، حتى ليهنؤهم المقام ، وتطيب لهم الحياة ، فيقعدون مع القاعدين ، ويسمرون مع السامرين .. وهذا ما يكشف عنه قوله تعالى: « رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » أي قد سولت لهم أنفسهم أن يكونوا مع الخوالف ، ممن لا طول لهم ولا حول ، من المرضى ، والزّمنى ، وأصحاب العاهات والعلل ، والأطفال ، والنساء ، والإماء ، والعبيد ـ رضوا أن يكونوا مع هذه الطوائف من الناس ، وهم أصحاب طول وحول ، لم يكن يرضيهم أبدا أن يكون بينهم وبين هذه الطوائف أمر جامع ، أو صفة مشتركة .. فكيف وهم أصحاب الحول الطول ينزلون إلى هذا المستوي الذي يضيفهم إلى مجتمع الصبيان والعبيد ؟ ولكن هكذا أرادوا أن يكونوا ، وهكذا صنعوا بأيديهم هذا الثوب الذي لبسوه ..ثوب الصّغار والامتهان.

وفى قوله سبحانه: « وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ » إشارة إلى أنهم وقد لبسوا ثياب المهانة والخزي بهذا الموقف الذي وقفوه ـ لا يدركون ما وقع عليهم من ذلة وهوان ، إذ كانت أعينهم في عمى ، وقلوبهم في غفلة ، وعقولهم في ضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت