فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 608

لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168) آل عمران

مَا أَصَابَكُمْ يَا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أحُدٍ ، حِينَمَا التَقَيْتُمْ بِعَدوكُمْ فِي مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ ، وَمَا حَلَّ بِكُمْ مِنْ هَزِيمَةٍ وَقَتْلٍ ، إنَّمَا كَانَ بِإِذْنِ اللهِ وَقَدَرِهِ وَقَضَائِهِ السَّابِقِ ، الذِي جَعَلَ المُسَببَاتِ نَتَائِجَ لأسْبَابِهَا ، فَكُلُّ عَسْكَرٍ يَعْصِي قَائِدَهُ ، وَيَكْشِفُ ظَهْرَهُ لِعَدُوِّهِ يُصَابُ بِمِثْلِ مَا أُصِبْتُمْ بِهِ ، وَأَكْثَر مِنْهُ ، وَللهِ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ ، لأنَّ الشَّدَائِدَ تَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ المُؤْمِنِينَ الذِينَ صَبَرُوا وَثَبَتُوا ، وَلَمْ يَتَزَلْزَلُوا أَمَام العَدُوِّ .

وَالشَّدَائِدُ تُظهِرُ المَُاَفِقِينَ الذِينَ تَبَطَّنُوا بِالكُفْرِ ، وَأَظْهَرُوا الإِيمَانَ ، مِنْ جَمَاعَةِ ابْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ ، الذِينَ رَجَعُوا إلَى المَدِينَةِ قَبْلَ المَعْرَكَةِ ، فَلَحِقَ بِهِمْ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَهُمْ لِلْعَوْدَةِ إلَى الصَّفِّ ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى القِتَالِ وَمُسَاعَدَةِ المُسْلِمِينَ ، وَإكْثَارِ عَدَدِهِمْ أمَامَ المُشْرِكِينَ ( أو ادْفَعُوا ) ، فَرَدُّوا مُتَعَلِّلِينَ: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ سَتَلْقَونَ حَرْبًا لاتَّبَعْنَاكُمْ ، وَلَكِنَّنَا فِي قُلُوبِهِمْ يَعْتَقِدُونَ غَيْرَهُ . وَهُمْ حِينَما قَالُوا هَذَا القَوْل كَانُوا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أقرْبَ لِلْكُفْرِ مِنْهُمْ إلَى الإِيمَانِ ، وَاللهُ أعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ فِي قُلُوبِهِمْ وَفِي نُفُوسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ وَالكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَسَيُعَاقِبُهُمْ عَلَيهِ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ .

وَهَؤُلاءِ المُنَافِقُونَ الذِين قَعَدُوا عَنِ الجِهَادِ ، هُمُ الذِينَ قَالُوا عَنْ إِخْوَانِهِم الذِينَ قُتِلُوا فِي المَعْرَكَةِ: لَوْ سَمِعُوا مَشُورَتَنَا فِي القُعُودِ ، وَعَدَمِ الخُرُوجِ لَمَا قُتِلُوا مَعَ مَنْ قُتِلَ .

وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَيهِمْ مُسْتَنْكِرًا قَوْلَهُمْ هَذَا: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: لَوْ كَانَ القُعُودُ يَسْلَمُ بِهِ الشَّخْصُ مِنَ القَتْلِ وَالمَوْتِ ، فَيَنْبَغِي عَلَيْكُمْ إلاَّ تَمُوتُوا . وَلَكِنَّ المَوْتَ آتٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ ، فَادْفَعُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ .

وقال الخطيب:"هذه مواجهة أخرى للمؤمنين الذين شهدوا أحدا ، ورأوا ما أصيبوا به في أنفسهم وفى إخوانهم هناك ، ثم ما وقع في نفوسهم من وساوس وظنون ، كلّما خبت جذوتها ، وبردت نارها ، نفخ فيها المنافقون ، والكافرون ، فازداد ضرامها ، وتسعّرت نارها .."

وفى هذه المواجهة يجد المؤمنون عتابا رقيقا من اللّه ، وعودا باللائمة عليهم فيما وقع لهم .. كما يجدون فيما بين العتاب واللوم عزاء وتسرية.

فإذا كان المسلمون قد أصيبوا يوم أحد ، فقد كان لهم في عدوهم الذي رماهم بما أصيبوا به ، نكاية وجراحات في يوم بدر ضعف ما أصابهم به في يوم أحد .. « وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ » .

وإذن فلا يصح للمسلمين أن يقفوا بنظرهم عند ما أصيبوا به ، دون أن يمتد هذا النظر إلى ما كان لهم في عدوّهم ، وهنا يستقيم النظر على الواقع كله ، فيرون أنهم أرجح كفّة ، وأربح صفقة .. وإذن فما ينبغى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت