لهم أن يعجبوا ، وأن ينكروا هذا الذي حدث لهم ، ويقولوا: « أنّى هذا ؟ » تلك القولة التي يكادون يهلكون بها أنفسهم وما اشتملت عليه من إيمان.
ثم إنه إذا صح للمسلمين أن يعجبوا ويستنكروا هذا الحدث ، فليكن ذلك مقصورا على ذات أنفسهم وحدها ، بمعزل عن الدّين الذي آمنوا به وأضيفوا إليه! فإنه إذا كان ثمة خلل في جماعة المسلمين مكّن لعدوّهم أن ينال منهم ما نال ،فذلك الخلل إنما هو في ذات أنفسهم ، لا في الدين الذي يجاهدون في سبيله: « قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ » أي بما أحدثتم في هذا اليوم من أمور ، عزلت كثيرا منكم عن موقف الجهاد ، وباعدت بينهم وبين اللّه! لقد تغيّرتم أنتم أيها المسلمون ، وتغيّر ما بأنفسكم ، فغيّر اللّه مكانكم من النصر الذي كان دانيا لكم ، قريبا من أيديكم.
أمّا اللّه ـ سبحانه وتعالى ـ فحاشا أن يتغيّر أو يتبدّل ، فترونه قويّا عزيزا يوم بدر ، ولا ترونه على تلك الصفة يوم أحد .. ذلك مما ينزّه اللّه عنه: « إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » قدرة مطلقة دائمة ، لا تحول ولا تزول أبدا.
وقوله تعالى: « وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ » . هو عزاء ومواساة للمسلمين ، لما أصابهم في تلك المعركة .. وأن يد المشركين ما كانت لتعلوهم إلا بإذن اللّه ، ولأمور قدّرها اللّه وأرادها.
وقوله سبحانه: « وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ » هو كشف لبعض ما أراد اللّه من هذا المصاب الذي وقع في المسلمين ..
فهو امتحان وبلاء لهم ، ليعرفوا ما في أنفسهم من إيمان وصبر ، وليتعاملوا مع اللّه على قدر ما انكشف من إيمانهم وصبرهم ..
وقوله تعالى: « وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » .
هو وجه آخر من وجوه الحكمة التي تنكشف من وراء هذا الذي حدث في أحد ، وهو أن تنكشف وجوه المنافقين للمؤمنين ، فيأخذوا حذرهم منهم ، ويعزلوهم عنهم ، فإنهم ـ حيث كانوا ـ مرض خبيث ، يغتال قوى الجماعة التي يندس فيها ، ويختلط بها.
وقولة المنافقين هنا ، والتي حكاها القرآن الكريم عنهم في قوله تعالى: « لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ » قولة منافقة خبيثة ، تحمل وجوها من الكيد والتوهين لقوى المسلمين ، وهم في مواجهة العدو.
فقد تحمل هذه القولة على أن هذه الجماعة المنافقة لا تعلم أن قتالا سيكون بين المسلمين والمشركين ، وأن قريشا ، إنما جاءت لتعرض قوّتها ، ولتلقى في قلوب المسلمين الرعب منها ، حتى لا يعترضوا تجارتها في طريقها إلى الشام ..