فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 202

الْكِتَابِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ. فَالْحَدِيثُ يُفِيدُ قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ، وَإِذَا كَانَ عَامًّا فَيُسْتَفَادُ مِنْهُ أَيْضًا قَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَأَهْل الْكِتَابِ.

وَاسْتَدَلُّوا لِقَبُول الْجِزْيَةِ مِنْ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ بِالْقِيَاسِ عَلَى أَهْل الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ. وَنُقِل عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُقْبَل مِنْ جَمِيعِ الْكُفَّارِ إلاَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَقَدْ أَخَذَ بِهَذَا النَّقْل كُلٌّ مِنِ ابْنِ رُشْدٍ صَاحِبِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَابْنِ الْجَهْمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. [1]

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَعْلِيل عَدَمِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ: فَعَلَّلَهُ ابْنُ الْجَهْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ إكْرَامٌ لَهُمْ، لِمَكَانِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -.وَعَلَّلَهُ الْقَرَوِيُّونَ بِأَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ قَبْل تَشْرِيعِ الْجِزْيَةِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ عَلَى الشِّرْكِ، فَمَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الشِّرْكِ فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلاَ تُؤْخَذُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. [2]

وقال ابن القيم رحمه الله:"قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَ مَا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - الدَّعْوَةَ إِلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا جِزْيَةٍ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ لَمَّا هَاجَرَ مِنْ غَيْرِ فَرْضٍ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ، وَالْكَفِّ عَمَّنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ، ثُمَّ لَمَّا نَزَلَتْ (بَرَاءَةٌ) سَنَةَ ثَمَانٍ أَمَرَهُ بِقِتَالِ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنَ الْعَرَبِ: مَنْ قَاتَلَهُ، أَوْ كَفَّ عَنْ قِتَالِهِ إِلَّا مَنْ عَاهَدَهُ، وَلَمْ يَنْقُصْهُ مِنْ عَهْدِهِ شَيْئًا، فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِعَهْدِهِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَحَارَبَ الْيَهُودَ مِرَارًا، وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ. ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، فَامْتَثَلَ أَمْرَ رَبِّهِ فَقَاتَلَهُمْ، فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ، وَأَعْطَى بَعْضَهُمُ الْجِزْيَةَ، وَاسْتَمَرَّ بَعْضُهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ، فَأَخَذَهَا - صلى الله عليه وسلم - مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَأَيْلَةَ، وَهُمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ، وَمِنْ أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَرَبٌ، وَأَخَذَهَا مِنَ الْمَجُوسِ، وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْيَمَنِ، وَكَانُوا يَهُودًا."

وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَقَالَ أحمد وَالشَّافِعِيُّ: لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلَاثِ الَّتِي أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْهُمْ، وَهُمُ: الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ. وَمَنْ عَدَاهُمْ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ.

(1) - مواهب الجليل 3/ 381،وبلغة السالك 1/ 366،وجواهر الإكليل 1/ 266،والمقدمات على هامش المدونة 1/ 400،وبداية المجتهد 1/ 404.

(2) - الكافي 1/ 479،ومواهب الجليل 3/ 381.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت