فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 202

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا إِذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ مِنْهُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَجُوسُ بِالسُّنَّةِ، وَمَنْ عَدَاهُمْ مُلْحَقٌ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَجُوسَ أَهْلُ شِرْكٍ لَا كِتَابَ لَهُمْ، فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا - صلى الله عليه وسلم - مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْلَمُوا كُلُّهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَدْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الْعَرَبِ، وَاسْتَوْثَقَتْ كُلُّهَا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ حَارَبُوهُ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنَ الْمَجُوسِ، وَلَوْ بَقِيَ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بَذَلَهَا لَقَبِلَهَا مِنْهُ، كَمَا قَبِلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الصُّلْبَانِ وَالنِّيرَانِ، وَلَا فَرْقَ وَلَا تَأْثِيرَ لِتَغْلِيظِ كُفْرِ بَعْضِ الطَّوَائِفِ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ إِنَّ كُفْرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَيْسَ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْمَجُوسِ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنِّيرَانِ، بَلْ كُفْرُ الْمَجُوسِ أَغْلَظُ، وَعُبَّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرُّونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرُّونَ بِصَانِعَيْنِ لِلْعَالَمِ، أَحَدُهُمَا: خَالِقٌ لِلْخَيْرِ، وَالْآخَرُ لِلشَّرِّ، كَمَا تَقُولُهُ الْمَجُوسُ، وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلُّونَ نِكَاحَ الْأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ، وَكَانُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا الْمَجُوسُ فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى كِتَابٍ أَصْلًا، وَلَا دَانُوا بِدِينِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، لَا فِي عَقَائِدِهِمْ وَلَا فِي شَرَائِعِهِمْ، وَالْأَثَرُ الَّذِي فِيهِ أَنَّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَرُفِعَتْ شَرِيعَتُهُمْ لَمَّا وَقَعَ مَلِكُهُمْ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَصِحُّ الْبَتَّةَ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ وَشَرِيعَتُهُمْ بَطَلَتْ فَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا.

وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَكَانَ لَهُ صُحُفٌ وَشَرِيعَةٌ، وَلَيْسَ تَغْيِيرُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِدِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَرِيعَتِهِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَجُوسِ لِدِينِ نَبِيِّهِمْ وَكِتَابِهِمْ لَوْ صَحَّ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمُ التَّمَسُّكُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَوَاتُ وَالسَّلَامُ، بِخِلَافِ الْعَرَبِ، فَكَيْفَ يَجْعَلُ الْمَجُوسَ الَّذِينَ دِينُهُمْ أَقْبَحُ الْأَدْيَانِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ فِي الدَّلِيلِ كَمَا تَرَى.

وَفَرَّقَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ، فَقَالُوا: تُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ كَافِرٍ إِلَّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت