فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 202

نَصَارَى الْعَرَب على الْجِزْيَة، فقالُوا: نَحن عرب لَا نُؤَدِّي مَا يُؤَدِّي الْعَجم، وَلَكِن خُذ منا كَمَا يَأْخُذ بَعْضكُم من بعْض، يعنون: الصَّدَقَة، فَقَالَ عُمر: هَذَا فرض الله على المُسْلِمين، قالُوا: فزد مَا شِئْت بِهذا الِاسْم، لَا باسم الْجِزْيَة فراضاهم على أَن ضعّف عَلَيْهِم الصَّدَقَة." [1] "

وَالضَّرْبُ الثَّانِي: الْجِزْيَةُ الْعَنْوِيَّةُ وَهِيَ مُقَدَّرَةُ الأَقَل وَالأَكْثَرِ، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِل اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بما جاء عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يَعْنِي فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ، عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْوَسَطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا" [2] ."

قَال الْحَنَفِيَّةُ:"وَنَصْبُ الْمَقَادِيرِ بِالرَّأْيِ لاَ يَكُونُ، فَعَرَفْنَا أَنَّ عُمَرَ اعْتَمَدَ السَّمَاعَ مِنَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَخَذْنَا بِهِ"وَقَدْ فَعَل عُمَرُ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. [3]

وَاسْتَدَلُّوا بِقِيَاسِ الْجِزْيَةِ عَلَى خَرَاجِ الأَرْضِ، فَقَدْ جَعَل الْخَرَاجَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّاقَةِ، وَاخْتَلَفَ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الأَرْضِ وَطَاقَتِهَا الإِنْتَاجِيَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَالإِمْكَانِ، فَتَخْتَلِفُ بِحَسَبِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ.

وَبِأَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عِوَضًا عَنِ النُّصْرَةِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَالنُّصْرَةُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَتَفَاوَتُ، فَالْفَقِيرُ يَنْصُرُ دَارَ الإِسْلاَمِ رَاجِلًا، وَمُتَوَسِّطُ الْحَال يَنْصُرُهَا رَاجِلًا وَرَاكِبًا، وَالْمُوسِرُ يَنْصُرُهَا بِالرُّكُوبِ بِنَفْسِهِ وَإِرْكَابِ غَيْرِهِ. فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْجِزْيَةُ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ الشَّخْصِ وَإِمْكَانَاتِهِ الْمَالِيَّةِ. [4]

َاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُرَادِ بِالْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ:

الأَوَّل: مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ: مَنْ لَمْ يَمْلِكْ نِصَابًا تَجِبُ فِي مِثْلِهِ الزَّكَاةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِائَتَا دِرْهَمٍ فَهُوَ فَقِيرٌ. وَمَنْ مَلَكَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنَ الأَوَاسِطِ. وَمَنْ مَلَكَ أَرْبَعَةَ آلاَفِ

(1) - شرح السنة للبغوي (11/ 174)

(2) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 329) (18685) حسن لغيره

(3) - المبسوط 10/ 78،البدائع 9/ 4332.

(4) - العناية على الهداية 5/ 290،أحكام القرآن للجصاص 3/ 97،فتح القدير 5/ 290.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت