اعلم أن المسلم لا يجوز له أن يقول للمنافق يا سيدي سواء بالنطق أو بالكتابة كمن يكتب: السيد المحترم فلان، ولو كان ذلك المنافق رئيسًا أو وزيرًا أو ملكًا.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ» [1]
مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّسْوِيدَ:
لَفْظُ السَّيِّدِ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّؤْدُدِ، وَهُوَ: الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُتَوَلِّي لِلْجَمَاعَةِ. وَمِنْ شَرْطِهِ وَشَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُهَذَّبَ النَّفْسِ شَرِيفًا. وَعَلَى مَنْ قَامَ بِهِ بَعْضُ خِصَال الْخَيْرِ مِنَ الْفَضْل وَالشَّرَفِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْحِلْمِ وَالْعَقْل وَالنَّزَاهَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْكَرَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
تَسْوِيدُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَسْوِيدِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الصَّلاَةِ، وَحُكْمِ تَسْوِيدِهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ.
أ- فِي الصَّلاَةِ:
وَرَدَ لَفْظُ الصَّلَوَاتِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ مَأْثُورًا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (سَيِّدِنَا) قَبْل اسْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَمَّا إِضَافَةُ لَفْظِ (سَيِّدِنَا) فَرَأَى مَنْ لَمْ يَقُل بِزِيَادَتِهَا الاِلْتِزَامَ بِمَا وَرَدَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - لأَِنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِمَا وَرَدَ عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الأَْذْكَارِ وَالأَْلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ.
وَأَمَّا بِخُصُوصِ زِيَادَةِ (سَيِّدِنَا) فِي الصَّلاَةِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ وَالرَّمْلِيِّ وَالْقَلْيُوبِيِّ
(1) - [سنن أبي داود 4/ 295] (4977) صحيح
(لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَيِّدًا بِالنَّصْبِ (فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا) أَيْ سَيِّدَ قَوْمٍ أَوْ صَاحِبَ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ (فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ أَغْضَبْتُمُوهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ فَكَيْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا بِأَحَدٍ مِنَ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَكُونُ مع ذلك كذبا وَنِفَاقًا وَقِيلَ مَعْنَاهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا لَكُمْ فَتَجِبَ عَلَيْكُمْ طَاعَتُهُ فَإِذَا أَطَعْتُمُوهُ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ أَوْ لَا تَقُولُوا لِمُنَافِقٍ سَيِّدٌ فَإِنَّكُمْ إِنْ قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ فَوَضَعَ الْكَوْنَ مَوْضِعَ الْقَوْلِ تَحْقِيقًا لَهُ كَذَا فِي المرقاة ملخصا وقال بن الْأَثِيرِ لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ سَيِّدَكُمْ وَهُوَ مُنَافِقٌ فَحَالُكُمْ دُونَ حَالِهِ وَاللَّهُ لَا يَرْضَى لَكُمْ ذَلِكَ انْتَهَى [عون المعبود وحاشية ابن القيم 13/ 221]