فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 142

وأما المجادلة فعبارة عن قَصْدُ إِفْحَامِ الْغَيْرِ وَتَعْجِيزِهِ وَتَنْقِيصِهِ بِالْقَدْحِ فِي كلامه ونسبته إلى القصور والجهل فيه وآية ذلك أن يكون تنبيهه للحق من جهة أخرى مكروها عند المجادل يجب أن يكون هو المظهر له خطأ ليبين به فضل نفسه ونقص صاحبه ولا نجاة من هذا إلا بالسكوت عن كل ما لا يأثم به لو سكت عنه

وأما الباعث على هذا فهو التَّرَفُّعُ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ وَالتَّهَجُّمِ عَلَى الْغَيْرِ بإظهار نقصه وهما شهوتان باطنتان للنفس قويتان لها.

وأما إظهار الفضل فهو من قبل تزكية النفس وهي من مقتضى ما في العبد من طغيان دعوى العلو والكبرياء وهي من صفات الربوبية وأما تنقيض الآخر فهو من مقتضى طبع السبعية فإنه يقتضي أن يمزق غيره ويقصمه ويصدمه ويؤذيه وهاتان صفتان مذمومتان مهلكتان وإنما قوتهما المراء والجدال فالمواظب على المراء والجدال مقو لهذه الصفات المهلكة وهذا مجاوز حد الكراهة بل هو معصية مهما حصل فيه إيذاء الغير

وَلَا تَنْفَكُّ الْمُمَارَاةُ عَنِ الْإِيذَاءِ وَتَهْيِيجِ الْغَضَبِ وَحَمْلِ الْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ عَلَى أَنْ يَعُودَ فَيَنْصُرَ كَلَامَهُ بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ وَيَقْدَحَ فِي قَائِلِهِ بِكُلِّ مَا يُتَصَوَّرُ لَهُ فيثور الشجار بين المتماريين كما يثور الهراش بين الكلبين يقصد كل واحد منهما أن يعض صاحبه بما هو أعظم نكاية وأقوى في إفحامه وإلجامه" [1] "

الجدال لغة:

مصدر قولهم: جادله يجادله جدالا ومجادلة وهو مأخوذ من مادّة (ج د ل) الّتي تدلّ على استحكام الشّيء في استرسال يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام، تقول من ذلك: جادله أي ناظره وخاصمه، والاسم من ذلك: الجدل، وهو شدّة الخصومة، وجدل الحبل: إحكام فتله، وإلى هذا المعنى أرجع الرّاغب معنى الجدال (والمجادلة) فقال: الجدال المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة، وكأنّ المتجادلين يفتل كلّ واحد الآخر عن رأيه، وأصله من جدلت الحبل، ومن ذلك جدلت البناء: أحكمته، والأجدل: الصّقر المحكم

(1) - [إحياء علوم الدين 3/ 117]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت