فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 142

وقَد وقَعَ فِي رِوايَة الإِسماعِيلِيّ مِن طَرِيق أَبِي شِهاب عَنِ الأَعمَش بِلَفظِ"مِن شَرّ خَلق الله ذُو الوجهَينِ"قالَ القُرطُبِيّ: إِنَّما كانَ ذُو الوجهَينِ شَرّ النّاس لأَنَّ حاله حال المُنافِق، إِذ هُو مُتَمَلِّق بِالباطِلِ وبِالكَذِبِ، مُدخِلٌ لِلفَسادِ بَينَ النّاس.

وقالَ النَّووِيّ: هُو الَّذِي يَأتِي كُلّ طائِفَة بِما يُرضِيها، فَيُظهِر لَها أَنَّهُ مِنها ومُخالِف لِضِدِّها، وصَنِيعه نِفاق ومَحض كَذِب وخِداع وتَحَيُّل عَلَى الاطِّلاع عَلَى أَسرار الطّائِفَتَينِ، وهِيَ مُداهَنَة مُحَرَّمَة. قالَ: فَأَمّا مَن يَقصِد بِذَلِكَ الإِصلاح بَينَ الطّائِفَتَينِ فَهُو مَحمُود.

وقالَ غَيره: الفَرق بَينَهما أَنَّ المَذمُوم مَن يُزَيِّن لِكُلِّ طائِفَة عَمَلها ويُقَبِّحهُ عِندَ الأُخرَى ويَذُمّ كُلّ طائِفَة عِندَ الأُخرَى، والمَحمُود أَن يَأتِي لِكُلِّ طائِفَة بِكَلامٍ فِيهِ صَلاح الأُخرَى ويَعتَذِر لِكُلِّ واحِدَة عَن الأُخرَى، ويَنقُل إِلَيهِ ما أَمكَنَهُ مِنَ الجَمِيل ويَستُر القَبِيح. ويُؤَيِّد هَذِهِ التَّفرِقَة رِوايَة الإِسماعِيلِيّ مِن طَرِيق ابن نُمَير عَن الأَعمَش"الَّذِي يَأتِي هَؤُلاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلاءِ"

وقالَ ابن عَبد البَرّ: حَمَلَهُ عَلَى ظاهِره جَماعَة وهُو أَولَى، وتَأَوَّلَهُ قَوم عَلَى أَنَّ المُراد بِهِ مَن يُرائِي بِعَمَلِهِ فَيُرِي النّاس خُشُوعًا واستِكانَة ويُوهِمهُم أَنَّهُ يَخشَى الله حَتَّى يُكرِمُوهُ وهُو فِي الباطِن بِخِلافِ ذَلِكَ، قالَ: وهَذا مُحتَمَل لَو اقتَصَرَ فِي الحَدِيث عَلَى صَدره فَإِنَّهُ داخِل فِي مُطلَق ذِي الوجهَينِ، لَكِن بَقِيَّة الحَدِيث تَرُدّ هَذا التَّأوِيل وهِيَ قَوله:"يَأتِي هَؤُلاءِ بِوجهٍ وهَؤُلاءِ بِوجهٍ" [1]

وقال بشار بن برد: [2]

خيرُ إخوانكَ المشاركُ في المرِّ ... وأيْنَ الشَّرِيكُ في المر أَيْنَا

الذي إن شهدت سرَّك في الحـ ـيّ وإِنْ غبْتَ كانَ أذْنًا وعيْنَا

(1) - [فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة 10/ 475] و [التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد 18/ 261] و [إحياء علوم الدين 1/ 123] و [قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد 1/ 292]

(2) - [تراجم شعراء موقع أدب 89/ 202] و [ترتيب الأمالي الخميسية للشجري 2/ 8]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت