الَّذِينَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلإِْمَامِ فِيهِمْ بِالْمَال. [1] غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُجِيزُونَهُ بِمَالٍ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الأَْسِيرِ [2] ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - كَمَا نَقَل السَّرَخْسِيُّ عَنِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ - تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَال، وَقَيَّدَ الْكَاسَانِيُّ هَذَا بِمَا إِذَا كَانَ الأَْسِيرُ شَيْخًا كَبِيرًا لاَ يُرْجَى لَهُ وَلَدٌ. [3] وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْمَال دُونَ قَيْدٍ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ حَاجَةٌ لِلْمَال، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَفْدِيَ الأَْسْرَى بِالْمَال يَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، سَوَاءٌ، أَكَانَ مِنْ مَالِهِمْ أَمْ مِنْ مَالِنَا الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَنْ نَفْدِيَهُمْ بِأَسْلِحَتِنَا الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ. أَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَفِي جَوَازِ مُفَادَاةِ أَسْرَانَا بِهَا وَجْهَانِ، أَوْجَهُهُمَا عِنْدَهُمُ الْجَوَازُ. [4]
وَاسْتَدَل الْمُجِيزُونَ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} (سورة محمد / 4.) ، وَبِفِعْل الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدْ فَادَى أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَال وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، كُل رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ [5] ، وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ الْجَوَازُ وَالإِْبَاحَةُ.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ، فِي غَيْرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْل أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلاَّمٍ عَدَمُ جَوَازِ الْفِدَاءِ بِمَالٍ. [6]
وَيَدُل عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ قَتْل الأَْسَارَى مَأْمُورٌ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَْعْنَاقِ} (سورة الأنفال / 12) وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إِلَى مَا بَعْدَ الأَْخْذِ وَالاِسْتِرْقَاقِ، وقَوْله تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} (سورة التوبة / 5) ، وَالأَْمْرُ بِالْقَتْل لِلتَّوَسُّل إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ إِلاَّ لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْل، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَلاَ
(1) - المبسوط 10/ 138، والبدائع 7/ 119، ومواهب الجليل والتاج والإكليل 3/ 358، وحاشية الدسوقي 2/ 184، والإقناع 5/ 8، والمهذب 2/ 237، والإنصاف 4/ 130، والمغني والشرح الكبير 10/ 401، ومطالب أولي النهى 2/ 521.
(2) - التاج والإكليل 3/ 358.
(3) - المبسوط 10/ 138، والبدائع 7/ 619، وحاشية ابن عابدين على الدر المختار 3/ 229.
(4) - شرح روض الطالب 4/ 193، وتحفة المحتاج 8/ 40، والمهذب 2/ 237، ونهاية المحتاج 8/ 65، والإقناع 5/ 8، وفتح الوهاب 2/ 174.
(5) - سنن أبى داود (2693) صحيح، وأما عدد أسارى بدر فقد أخرجه مسلم من حديث ابن عباس بلفظ"فقتلوا يومئذ سبعين، وأسروا سبعين"صحيح مسلم (4687)
(6) المبسوط 10/ 138، وتبيين الحقائق 3/ 249، والبحر الرائق 5/ 90، ومواهب الجليل 3/ 359، والأموال ص 117 فقرة 313، والإنصاف 4/ 130، وابن عابدين 3/ 229.