يَحْصُل مَعْنَى التَّوَسُّل بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَال، كَمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ إِعَانَةً لأَِهْل الْحَرْبِ، لأَِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْمَنَعَةِ، فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَقَتْل الْمُشْرِكِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ مُحْكَمٌ، وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ إِقَامَةِ هَذَا الْفَرْضِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَال فِي الأَْسِيرِ: إِنْ أَخَذْتُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَأُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْ دَنَانِيرَ، فَلاَ تُفَادُوهُ." [1] وَلأَِنَّهُ صَارَ بِالأَْسْرِ مِنْ أَهْل دَارِنَا، فَلاَ يَجُوزُ إِعَادَتُهُ لِدَارِ الْحَرْبِ، لِيَكُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا، وَفِي هَذَا مَعْصِيَةٌ، وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ لِمَنْفَعَةِ الْمَال لاَ يَجُوزُ، وَلَوْ أَعْطَوْنَا مَالًا لِتَرْكِ الصَّلاَةِ لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَل ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ، فَكَذَا لاَ يَجُوزُ تَرْكُ قَتْل الْمُشْرِكِ بِالْمُفَادَاةِ [2] ."
وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّ لِلإِْمَامِ حَقَّ الْمُفَادَاةِ بِالْمَال، فَإِنَّ هَذَا الْمَال يَكُونُ لِلْغَانِمِينَ، وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُسْقِطَ شَيْئًا مِنَ الْمَال الَّذِي يَفْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مُقَابِل الْفِدَاءِ إِلاَّ بِرِضَى الْغَانِمِينَ. [3]
فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرَى الأَْعْدَاءِ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ [4] مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ تَبَادُل الأَْسْرَى، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْل النَّبِيِّ أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ [5] وَقَوْلِهِ إِنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ، وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ [6] وَ فَادَى النَّبِيُّ رَجُلَيْنِ مِنِ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّجُل الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ [7] . وَ فَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي، اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَْكْوَعِ [8] نَاسًا مِنَ
(1) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 12 / ص 418) (33929) والخراج لأبي يوسف - (ج 1 / ص 196) [426] صحيح مرسل
(2) - البدائع 7/ 119، 120، والمبسوط 10/ 138، 139. ولا يخفى أن ظاهر الآية إن تعين القتل أولا قبل الإثخان، فإذا أثخنوا أجرى عليهم ما في الآية من المن أو الفداء.
(3) - حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2/ 184، والمهذب 2/ 237، والمغني 10/ 403.
(4) - تبيين الحقائق 3/ 249، وحاشية ابن عابدين 3/ 229، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2/ 184، وبداية المجتهد 1/ 392، وأحكام القرآن لابن العربي 2/ 868، والإقناع 5/ 8، ونهاية المحتاج 8/ 65، والمهذب 2/ 237، والمغني والشرح الكبير 10/ 401، والإنصاف 4/ 130، ومطالب أولي النهى 2/ 521.
(5) - أخرجه البخاري من حديث أبي موسى الأشعري (فتح الباري 10/ 112 ط السلفية)
(6) - سنن سعيد بن منصور (2635) وفيه ضعف
(7) - صحيح مسلم (4333) مطولا
(8) - صحيح مسلم (4671) مطولا