فهرس الكتاب

الصفحة 177 من 216

إلَّا دِيَةٌ وَاحِدَةٌ , فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بَعْضَهُ وَيَسْتَحِقَّ كَمَالَ الدِّيَةِ , فَإِنْ فَعَلَ فَلَهُ مَا بَقِيَ مِنْ الدِّيَةِ , فَإِنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ , فَلَا شَيْءَ لَهُ. وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ إلَّا بِضَرْبِ الْعُنُقِ. فَاسْتَوْفَى مِنْهُ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ , فَقَدْ أَسَاءَ , وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ سِوَى الْمَأْثَمِ ; لِأَنَّ فِعْلَ الْجَانِي فِي الْأَطْرَافِ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا يَخْتَصُّ بِهَا , فَكَذَلِكَ فِعْلُ الْمُسْتَوْفِي , إنْ قَطَعَ الْجَانِي طَرَفًا وَاحِدًا , ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ , لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا تَمَامُهَا , وَإِنْ قَطَعَ مَا تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ , ثُمَّ عَفَا , لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ , وَإِنْ قَطَعَ مَا يَجِبُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ الدِّيَةِ , ثُمَّ عَفَا , احْتَمَلَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَا زَادَ عَلَى الدِّيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ أَكْثَرَ مِنْ دِيَةٍ , وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْهَا , فَكَانَتْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ , فَإِذَا تَرَكَ قَتْلَهُ , وَعَفَا عَنْهُ , فَأَوْلَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ شَيْءٌ , وَلِأَنَّهُ فَعَلَ بَعْضَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ , فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ , كَمَا لَوْ قُلْنَا: إنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِهِ.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: قَوْلُهُ {وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا}

يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ شَرِيفُ الْقَدْرِ عَظِيمُ الْمَنْزِلَةِ. وَلِهَذَا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ: هُوَ أَشْرَفُ حَدِيثٍ لِأَهْلِ الشَّامِ. وَكَانَ أَبُو إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ إذَا حَدَّثَ بِهِ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , وَرَاوِيهِ أَبُو ذَرٍّ الَّذِي مَا أَظَلَّتْ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتْ الْغَبْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةٍ مِنْهُ. وَهُوَ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عَنْ رَبِّهِ , وَأَخْبَرَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْآنًا. وَقَدْ جَمَعَ فِي هَذَا الْبَابِ زَاهِرٌ السُّحَامِيُّ , وَعَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ , وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَقْدِسِيُّ , وَغَيْرُهُمَا , وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ تَضَمَّنَ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ , فَإِنَّ تِلْكَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى وَهِيَ قَوْلُهُ: {حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي} تَتَضَمَّنُ جُلَّ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ إذَا أُعْطِيت حَقَّهَا مِنْ التَّفْسِيرِ , وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا فِيهَا مَا لَا بُدَّ مِنْ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ مِنْ أَوَائِلِ النُّكَتِ الْجَامِعَةِ. وَأَمَّا هَذِهِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ , وَهِيَ قَوْلُهُ: {وَجَعَلْته بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا} . فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الدِّينَ كُلَّهُ , فَإِنَّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ رَاجِعٌ إلَى الظُّلْمِ وَكُلُّ مَا أَمَرَ بِهِ رَاجِعٌ إلَى الْعَدْلِ , وَلِهَذَا قَالَ - تَعَالَى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت