فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 216

قَالَ: {لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ.} رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيْ النَّفْسِ , فَدَخَلَ الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ , كَالدِّيَةِ , فَإِنَّهُ لَوْ صَارَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ , لَمْ تَجِبْ إلَّا دِيَةُ النَّفْسِ ; وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ تَعْطِيلُ الْكُلِّ , وَإِتْلَافُ الْجُمْلَةِ , وَقَدْ أَمْكَنَ هَذَا بِضَرْبِ الْعُنُقِ , فَلَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ بِإِتْلَافِ أَطْرَافِهِ , كَمَا لَوْ قَتَلَهُ بِسَيْفٍ كَالٍّ , فَإِنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِمِثْلِهِ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ , قَالَ: إنَّهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ. يَعْنِي أَنَّ لِلْمُسْتَوْفِي أَنْ يَقْطَعَ أَطْرَافَهُ , ثُمَّ يَقْتُلَهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , وَمَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , وَأَبِي حَنِيفَةَ , وَأَبِي ثَوْرٍ ; لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} . وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم {رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ لِرَضِّهِ رَأْسَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.} وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} . وَهَذَا قَدْ قَلَعَ عَيْنَهُ , فَيَجِبُ أَنْ تُقْلَعَ عَيْنُهُ , لِلْآيَةِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ , وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ} . وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُمَاثَلَةِ , وَلَفْظُهُ مُشْعِرٌ بِهِ , فَوَجَبَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مِنْهُ مِثْلُ مَا فَعَلَ , كَمَا لَوْ ضَرَبَ الْعُنُقَ آخَرُ غَيْرُهُ. فَأَمَّا حَدِيثُ: {لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ} . فَقَالَ أَحْمَدُ: لَيْسَ إسْنَادُهُ بِجَيِّدِ. الْحَالُ الثَّانِي: أَنْ يَصِيرَ الْأَمْرُ إلَى الدِّيَةِ , إمَّا بِعَفْوِ الْوَلِيِّ , أَوْ كَوْنِ الْفِعْلِ خَطَأً , أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ , أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ , فَالْوَاجِبُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ. وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجِبُ دِيَةُ الْأَطْرَافِ الْمَقْطُوعَةِ وَدِيَةُ النَّفْسِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا قُطِعَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ بِقَتْلِهِ صَارَ كَالْمُسْتَقِرِّ , فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ ; وَلِهَذَا لَمْ يَسْقُط الْقِصَاصُ فِيهِ. وَلَنَا , أَنَّهُ قَاتِلٌ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ , فَدَخَلَ أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ , كَمَا لَوْ سَرَتْ إلَى نَفْسِهِ , وَالْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ لَا يَجِبُ , وَإِنْ وَجَبَ فَإِنَّ الْقِصَاصَ لَا يُشْبِهُ الدِّيَةَ ; لِأَنَّ سِرَايَةَ الْجُرْحِ لَا تُسْقِطُ الْقِصَاصَ فِيهِ , وَتُسْقِطُ دِيَتَهُ. (6650) فَصْلٌ: وَمَتَى قُلْنَا: لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ بِمِثْلِ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ. فَأَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى ضَرْبِ عُنُقِهِ , فَلَهُ ذَلِكَ , وَهُوَ أَفْضَلُ. وَإِنْ قَطَعَ أَطْرَافَهُ الَّتِي قَطَعَهَا الْجَانِي , أَوْ بَعْضَهَا , ثُمَّ عَفَا عَنْ قَتْلِهِ , فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ تَارِكٌ بَعْضَ حَقِّهِ. وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَ أَطْرَافِهِ , ثُمَّ عَفَا إلَى الدِّيَةِ , لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ جَمِيعَ مَا فَعَلَ بِوَلِيِّهِ لَا يَجِبُ بِهِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت