فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 216

قوله تعالى: {وَقَاتِلُواْ} هذه الآية أوّل آية نزلت في الأمر بالقتال؛ ولا خلاف في أن القتال كان محظورًا قبل الهجرة بقوله: {ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ} [فصلت: 34] وقوله: {فاعف عَنْهُمْ واصفح} [المائدة: 13] وقوله: {واهجرهم هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10] وقولِه: {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمصَيْطِرٍ} [الغاسية: 22] وما كان مثله مما نزل بمكة. فلما هاجر إلى المدينة أُمِر بالقتال فنزل: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ} قاله الربيع بن أنس وغيره. وروي عن أبي بكر الصدّيق أن أوّل آية نزلت في القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ} [الحج: 39] . والأوّل أكثر، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامّةً لمن قاتل ولمن لم يقاتل من المشركين؛ وذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعُمْرة، فلما نزل الحُدَيْبِيَة بقُرب مكة والحُدَيْبِيَةُ اسم بئر، فسُميَ ذلك الموضع باسم تلك البئر فصدّه المشركون عن البيت، وأقام بالحُدَيْبِيَة شهرًا، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء؛ على أن تُخْلَى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين، ورجع إلى المدينة. فلما كان من قابل تجهّز لعُمْرة القضاء، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحَرَم وفي الشهر الحرام، فنزلت هذه الآية؛ أي يحلّ لكم القتال إن قاتلكم الكفار. فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها، فكان عليه السلام يقاتل من قاتله ويَكُفّ عمن كَفّ عنه، حتى نزل {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] فنسخت هذه الآية؛ قاله جماعة من العلماء. وقال ابن زيد والربيع: نسخها {وَقَاتِلُواْ المشركين كَآفَّةً} [التوبة: 36] فأمر بالقتال لجميع الكفار. وقال ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومجاهد: هي مُحْكَمة؛ أي قاتلوا الذين هم بحالة من يقاتلونكم، ولا تعتدوا في قتل النساء والصبيان والرُّهبان وشبههم؛ على ما يأتي بيانه. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أصح القولين في السُّنة والنَّظر؛ فأما السُّنة فحديث ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فكرِه ذلك، ونهى عن قتل النساء والصبيان؛ رواه الأئمة. وأمّا النَّظر فإن «فاعل» لا يكون في الغالب إلا من اثنين، كالمقاتلة والمشاتمة والمخاصمة؛ والقتال لا يكون في النساء ولا في الصبيان ومن أشبههم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت