فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 216

أنه إجماع. وأيضًا فإنه ممن لا يُقاتِل ولا يعين العدوّ فلا يجوز قتله كالمرأة، وأمّا إن كان ممن تخشى مضرته بالحرب أو الرأي أو المال فهذا إذا أُسِر يكون الإمام فيه مخيَّرًا بين خمسة أشياء: القتل أو المنّ أو الفداء أو الاسترقاق أو عَقْد الذمة على أداء الجِزية.

السادسة: العُسَفاء، وهم الأُجراء والفلاّحون؛ فقال مالك في كتاب محمد: لا يُقتلون. وقال الشافعي: يُقتل الفلاحون والأجراء والشيوخ الكبار إلا أن يُسلموا أو يؤدّوا الجِزْية. والأوّل أصحّ، لقوله عليه السلام في حديث رَباح بن الربيع:"الحقْ بخالد بن الوليد فلا يقتلنّ ذرّية ولا عَسيفًا"وقال عمر بن الخطاب: اتقوا الله في الذرّية والفلاّحين الذين لا يَنْصُبون لكم الحرب. وكان عمر بن عبد العزيز لا يَقتل حرّاثًا؛ ذكره ابن المنذر.

الثانية: روى أشهب عن مالك أن المراد بقوله: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ} أهلُ الحُدَيْبِيَة أمروا بقتال من قاتلهم. والصحيح أنه خطاب لجميع المسلمين؛ أمر كلّ أحد أن يقاتل من قاتله إذ لا يمكن سواه. ألا تراه كيف بيّنها في سورة «براءة» بقوله: {قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار} [التوبة: 123] وذلك أن المقصود أوّلًا كان أهل مكة فتعيّنت البداءة بهم؛ فلما فتح الله مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي حتى تعمّ الدعوة وتبلغ الكلمة جميع الآفاق ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك باقٍ متمادٍ إلى يوم القيامة، ممتدٌّ إلى غايةٍ هي قوله عليه السلام:"الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأَجْرُ والمَغْنَم"وقيل: غايته نزول عيسى بن مريم عليه السلام، وهو موافق للحديث الذي قبله؛ لأن نزوله من أشراط الساعة.

الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ تعتدوا} قيل في تأويله ما قدّمناه، فهي مُحْكَمة. فأما المرتدّون فليس إلا القتل أو التّوبة، وكذلك أهل الزّيغ والضلال ليس إلا السيف أو التوبة. ومن أَسَرّ الاعتقاد بالباطل ثم ظهر عليه فهو كالزّنديق يُقتل ولا يُستتاب. وأما الخوارج على أئمة العدل فيجب قتالهم حتى يرجعوا إلى الحق. وقال قوم: المعنى لا تعتدوا في القتال لغير وجه الله، كالحمِيّة وكسب الذِّكر، بل قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم؛ يعني دِينًا وإظهارًا للكلمة. وقيل: «لا تعتدوا» أي لا تقاتلوا من لم يقاتل. فعلى هذا تكون الآية منسوخة بالأمر بالقتال لجميع الكفار، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت