اللَّهُ تَعَالَى: {فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ، حَتَّى إذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ} الْآيَةَ وَإِنَّمَا أَمَرَنَا بِالْقِتَالِ إلَى غَايَةِ الْأَسْرِ، ثُمَّ جَعَلَ الْحُكْمَ بَعْدَ ذَلِكَ الْمَنَّ أَوْ الْفِدَاءَ. وَدَلِيلُنَا عَلَى جَوَازِ الْقَتْلِ بَعْدَ الْأَسْرِ قِصَّةُ بَنِي قُرَيْظَةَ. فَقَدْ قَتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْأَسْرِ، وَبَعْدَ مَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. {وَقَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِالْأَثِيلِ وَكَانَا مِنْ أَسَارَى بَدْرٍ} . وَقَتَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعْبَدَ بْنَ وَهْبٍ وَقَدْ كَانَ أَسَرَهُ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: يَا عُمَرُ أَتَحْسِبُونَ أَنَّكُمْ غَلَبْتُمْ، كَلًّا وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى. فَقَالَ: أَتَقُولُ هَذَا وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ وَضَرَبَ عُنُقَهُ. وَلِأَنَّ الْأَمْنَ عَنْ الْقَتْلِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالْأَمَانِ أَوْ بِالْإِيمَانِ، وَبِالْأَسْرِ لَا يَثْبُتُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ مُبَاحَ الدَّمِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ الْأَسْرِ. وَهُوَ بِالْأَسْرِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحَارَبًا، وَلَكِنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْمُحَارَبَةِ لِكَوْنِهِ مَقْهُورًا فِي أَيْدِينَا مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ فِي الدِّينِ. فَيَجُوزُ قَتْلُهُ كَالْمُرْتَدِّ الْمَقْهُورِ فِي أَيْدِينَا، وقَوْله تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} فَمَنْسُوخٌ. هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السُّدِّيِّ أَنَّهُ نَسَخَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} .
-وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَرِهَ قَتْلَهُ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ، لَا أَنْ يُقَالَ تَحَرَّزَ عَنْ قَتْلِهِ بَعْدَ مَا أُسِرَ. وَنَحْنُ هَكَذَا نَقُولُ: الْأُولَى أَنْ لَا يُقْتَلَ مَشْدُودَ الْيَدَيْنِ إذَا كَانَ لَا يُخَافُ أَنْ يَهْرُبَ أَوْ يَقْتُلَ بَعْضَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ مَا بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ وَمَا قَبْلَهُ. لِانْعِدَامِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِحُرْمَةِ دِمَائِهِمْ. فَإِنَّ الْحَقَّ لَا يَتَأَكَّدُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْأَسَارَى بَعْدَ الْإِحْرَازِ بِالدَّارِ. أَلَا تَرَى أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَحْرَارَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ بِرِقَابِهِمْ وَأَرَاضِيِهِمْ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَيْهِمْ وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالسَّوَادِ.
-وَإِذَا لَمْ يَتَأَكَّدْ الْحَقُّ فِيهِمْ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بَعْدَ الْإِحْرَازِ كَالْحُكْمِ قَبْلَهُ، وَالْإِمَامُ نَاظِرٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قِسْمَتِهِمْ قَسَمَهُمْ، وَإِنْ رَأَى الصَّوَابَ فِي قَتْلِهِمْ قَتَلَهُمْ. لِدَفْعِ فِتْنَتِهِمْ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} . وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ حَرُمَ قَتْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} . وَقَدْ خَرَجَ بِالْإِسْلَامِ