وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه , ومخابئها ودروبها ومنحنياتها. وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها , وحقيقة ما استكن فيها من رواسب , لا تظهر إلا بمثير!
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله - سبحانه - بمداولة الأيام بين الناس بين الشدة والرخاء , يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير: محك الأحداث والتجارب والمواقف العملية الواقعية.
ولقد يظن الإنسان في نفسه القدرة والشجاعة والتجرد والخلاص من الشح والحرص. .
ثم إذا هو يكشف - على ضوء التجربة العملية , وفي مواجهة الأحداث الواقعية - إن في نفسه عقابيل لم تمحص. وأنه لم يتهيأ لمثل هذا المستوى من الضغوط! ومن الخير أن يعلم هذا من نفسه , ليعاود المحاولة في سبكها من جديد , على مستوى الضغوط التي تقتضيها طبيعة هذه الدعوة , وعلى مستوى التكاليف التي تقتضيها هذه العقيدة!
والله - سبحانه - كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية , وكان يريد بها أمرا في هذه الأرض. فمحصها هذا التمحيص , الذي تكشفت عنه الأحداث في أحد , لترتفع إلى مستوى الدور المقدر لها , وليتحقق على يديها قدر الله الذي ناطه بها:
(ويمحق الكافرين) . .
تحقيقا لسنته في دمغ الباطل بالحق متى استعلن الحق , وخلص من الشوائب بالتمحيص. .
وفي سؤال استنكاري يصحح القرآن تصورات المسلمين عن سنة الله في الدعوات , وفي النصر والهزيمة , وفي العمل والجزاء. ويبين لهم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره , وزاده الصبر على مشاق الطريق , وليس زاده التمني والأماني الطائرة التي لا تثبت على المعاناة والتمحيص:
(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة , ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين. ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه. فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) . .
إن صيغة السؤال الاستنكارية يقصد بها إلى التنبيه بشدة إلى خطأ هذا التصور:
تصور أنه يكفي الإنسان أن يقولها كلمة باللسان:
أسلمت وأنا على استعداد للموت. فيبلغ بهذه الكلمة أن يؤدي تكاليف الإيمان , وأن ينتهي إلى الجنة والرضوان!
إنما هي التجربة الواقعية , والامتحان العملي. وإنما هو الجهاد وملاقاة البلاء , ثم الصبر على تكاليف الجهاد , وعلى معاناة البلاء.
وفي النص القرآني لفتة ذات مغزى:
(ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) . .
(ويعلم الصابرين) . .