إنّ ملاحقة أهل البدع وكشف سترهم هو منهج أهل الحقّ، وخاصّة إذا صار البدعيّ داعيًا إلى بدعته، مزيّنًا لها أمام النّاظرين، إنّ الخلاف الحاصل بين جماعات الجهاد السّلفيّة وبين غيرهم من جماعات العمل الإسلاميّ الأخرى خلاف منهجيّ، وليس خلافًا فرعيًّا، ومدار الخلاف حول الصّواب في فهم السّلف لتوحيديّ الشّرع والقدر، ثمّ حول المنهج الأصولي في فهم النّصّ وتحليله، والذين يريدون أن يهوّنوا من شأن هذا الخلاف جديرون بأن يخرجوا من زمرة الفقهاء لواقع المناهج المطروحة على السّاحة، ومن زمرة أهل البصيرة لمناهج السّلف في التّوحيد والأصول.
لعلّنا أطلقنا القليل من النّفَس في مناقشة مدرسة مذهب ابن آدم الأوّل كما يسمّون أنفسهم، وسبب ذلك هو أنّ هذا المذهب تستقي منه أغلب جماعات نبذ العنف والعمل الصّدامي، فبعضهم يستقي منه حتّى التّضلّع، وبعضهم يأخذ منه لمّة أو لمّات، بحسب ما يلائمه من الهوى والاستحسان، وقد رأينا كيف تقلب هذه الجماعات حقائق الوجود، وتقريرات الفطرة، وكان من أبرز ما دعت إليه من هذا الباطل ما قاله جودت سعيد، وكذا تلميذه خالص جلبي من أنّنا علينا أن لا نرهب السّجن، ولا نعاديه، ولا نطالب بإخراج المساجين من إخواننا، بل علينا أن نطالب بأن يذهبوا بنا نحن كذلك إلى السّجن، وقولهم هذا واضح تمام الوضوح في مخالفته لفطرة الإنسان السويّ، فإنّ الإنسان السّويّ يكره القيد ولا يشتهيه، بل يحاول جاهدًا أن يخرج منه إن وقع فيه، ولكن حيث أثّر قيح الفكر الصّوفيّ في كلّ جوانب الحياة، فغاير بين الحقائق، فشتم الصّواب وعابه، ومدح الخطأ وشجّع عليه، وهذا الذي قالوه ينسجم تمام الانسجام مع نتائج الفكر الصّوفيّ، فنحن نعلم ما يمدح التّلاميذ به شيوخهم هذه الأيّام، حيث يقولون مثلًا: إنّ شيخنا - حفظه الله - لا يقرأ الصّحف ولا يسمع الرّاديو ولا ينظر إلى التّلفزيون .. و ... ، ف شيخنا مشغول طوال وقته بين كتب الأوائل!!.
وهذا الذي قالوه يعيب الشّيخ ويحقره أكثر ممّا يمدحه، وقد وجد كذلك من يمدح العزوبيّة في العلماء، لأنّ انشغالهم في العلم منعهم من الزّواج، أو أنّهم كما قالوا آثروا العلم على الزّواج، ولا ندري كيف يُمدح المرء بأن يجاهد نفسه ليغيّر فطرته وبشريّته؟! فهل يقوى؟! الجواب: بالنفي .. بل نجزم أنّه يضيع الأوقات الكثيرة من تفكيره بهذه الفطرة التي فطر عليها أكثر من انشغاله في بيته وزوجه إذا كان محصنًا (هذا إن كان سويًّا) ، ويكفيه مدحًا أنّ الشّارع أطلق على المتزوّج لفظ المحصن.
وهكذا بفضل الفكر الصّوفيّ تنقلب الحقائق، ومن أراد المزيد فعليه بكتب طبقات الأولياء ليرى العجب العجاب أمثال كتاب:"جامع كرامات الأولياء"ليوسف النّبهاني، و"الطبقات الكبرى"للكبريت الأحمر الشّعراني وأمثالها.
فها هو جودت سعيد وتلميذه ومدرسته يريدون من الأمّة ومن الأئمّة ومن الدّعاة إلى الله أن يذهبوا إلى السّجن باختيارهم، فهل قولهم هذا ممّا يستحقّ أن يناقش من وجهة نظر شرعيّة، أم أنّ الأولى بنا أن