بِهَا عَلَى آرَاءٍ فِقْهِيَّةٍ ذَهَبُوا إلَيْهَا. فَقَدْ اسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَالِحٍ عليه السلام , {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ , وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ} . عَلَى جَوَازِ قَسْمِ الشِّرْبِ بِالْأَيَّامِ , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ نَبِيِّهِ صَالِحٍ بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْقِبْهُ بِالنَّسْخِ فَصَارَتْ شَرِيعَةً لَنَا مُبْتَدَأَةً. وَاسْتَدَلَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ بِالْأَمَارَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} . حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ يَعْقُوبَ عليه الصلاة والسلام رَدًّا عَلَى قَوْلِ إخْوَةِ يُوسُفَ {إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} . وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا كَثِيرَةً: مِنْهَا: لَوْ وُجِدَ مَيِّتٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَهُوَ غَيْرُ مَخْتُونٍ وَعَلَيْهِ زُنَّارٌ فَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ , اسْتِنَادًا إلَى هَذِهِ الْأَمَارَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْلِ الْأَصَحِّ عِنْدَهُمْ: إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا , وَإِنْ وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُقَرِّرُهُ , وَقَالُوا: {إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْضِي؟ فَأَجَابَهُ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ , قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: أَجْتَهِدُ رَايِي} . وَلَمْ يَذْكُرْ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا فَزَكَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَصَوَّبَهُ , فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ مَدَارِك الْأَحْكَامِ لَمَا جَازَ الْعُدُولُ إلَى الِاجْتِهَادِ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ. وَتَفْصِيلُ الْمَوْضُوعِ وَأَدِلَّةُ الْمُخْتَلِفِينَ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ.
قوله تعالى: {لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إلَيْك لِأَقْتُلَك} .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"مَعْنَاهُ لَئِنْ بَدَاتنِي بِقَتْلٍ لَمْ أَبْدَاك بِهِ"وَلَمْ يُرِدْ أَنِّي لَا أَدْفَعُك عَنْ نَفْسِي إذَا قَصَدْت قَتْلِي ; فَرُوِيَ أَنَّهُ قَتَلَهُ غِيلَةً بِأَنْ أَلْقَى عَلَيْهِ صَخْرَةً وَهُوَ نَائِمٌ فَشَدَخَهُ بِهَا. وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذَا أَرَادَ رَجُلٌ قَتْلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَا يَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَجَائِزٌ فِي الْعَقْلِ وُرُودُ الْعِبَادَةِ بِمِثْلِهِ , فَإِنْ كَانَ التَّاوِيلُ هُوَ الْأَوَّلُ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ بِقَتْلِ مَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ , وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ لَا يَبْدَأُ بِقَتْلِ غَيْرِهِ ; وَإِنْ كَانَ التَّاوِيلُ هُوَ الثَّانِي فَهُوَ مَنْسُوخٌ لَا مَحَالَةَ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ , وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ نَسْخُهُ بِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم.
وفي النيل:
بَابٌ فِي أَنَّ الدَّفْعَ لَا يُلْزِمُ الْمَصُولُ عَلَيْهِ وَيُلْزِمُ الْغَيْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ
2444 - (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: {مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إذَا جَاءَ مَنْ يُرِيدُ قَتْلَهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ ابْنَيْ آدَمَ الْقَاتِلُ فِي النَّارِ وَالْمَقْتُولُ فِي الْجَنَّةِ} رَوَاهُ أَحْمَدُ)
2445 - (وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: {فِي الْفِتْنَةِ كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمْ الْحِجَارَةَ , فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ بَيْتَهُ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ} رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيّ)