وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأؤلئك الذين سماهم الله فاحذروهم ) ). (7)
والمتشابه هاهنا ليس ما يذكر في كتب الأصول، ولكن شيء تختلف درجته في عدم دلالته على المراد في نفسه، فمنه ما يحتمل أكثر من معنى، ومنه مما لا يعلم حقيقته - لا تفسيره - إلا الله وليس هذا موطن تفصيل ذلك. لكن أهل البدع يتركون ما لا يفهم منه إلا مراد المتكلم إلى ما يحتمل عدة معاني (حيث وضع ابتلاء للناس وهو ما تنكره الظاهرية) ، ولكن هذا المتشابه لم يترك للناس من غير بيان فلا بد من رده إما إلى المحكم أو إلى خاصه، فيأتي أهل البدع إلى هذا المتردد إلى معنيين أو أكثر فيصرفه إلى ما يريده هواه، فأولئك هم طالبوا الفتنة، والواقعون فيها.
1 -أسندت حق تفسير الكتاب والسنة للواقع والتاريخ (وهو الحكم القدري) ولم ترجع حق التأويل إلى اللسان العربي، بل احتقرت اللسان العربي كما تقدم من كلام جودت سعيد، وهذا الذي قالته هذه المدرسة باطنية جديدة، فلو قال طبيب كافر إن بعض الخمر قد ثبت أنه يشفي بعض الأسقام، وثبت هذا بحكم التجربة والواقع، وسيرورة التاريخ لوجب علينا أن نجيز القليل من الخمر ولا نلتفت لما فهم أهل البيان من كلام رب العالمين.
2 -يؤدي هذا الأمر في هذه المدرسة إلى تفسير النصوص تفسيرا جديدا، ويجعل للألفاظ العربية التي تكلم الله بما في القرآن معان جديدة لم يعرفها الأوائل، مما يلتقي هذا الأمر مع أهل الحداثة الجدد - أو الزنادقة الجدد -. وهذا التجديد ستفرضه اكتشافات الناس للواقع والتاريخ كما يزعم هذا التيار ...
الآيات المخبرة عن ابني آدم ووضعها في شرعة الإسلام لها جانبان من النظر، جانب يلتقي معها، وجانب يفترق عنها، أما ذكر الجانب المتفق معها فمعلوم اضطرارا وروده، ولكن قد يسأل سائل: ما فائدة أن يذكر القرآن الكريم جانبا من هذه القصة والحدث ولا يريد من الأمة المسلمة أن تتبعه وتقتدي به؟ وبعيدا عن قول أئمتنا السابقين أن شرع غيرنا ليس شرعا لنا، أو قول بعضهم إن شرع من قبلنا شرع لنا، والخلاف الدائر حول هذا المصدر، فإن هذه الآيات فيها التأكيد العظيم على أن شريعة الإسلام التي أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم هي أكمل الشرائع، وأحق الشرائع اتباعا (( فوالله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ) )كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما جانب الاتفاق فهو:
1 -إن خطاب ابن آدم الصالح لأخيه الآخر، هو خطاب علِمَ الأخ من أخيه أن تخويفه بالله قد يردعه ويرده، وإلا فلو علم أن نفس الأخ غير متهيبة لخطاب التخويف من الله لما خاطبه به، ولكان هذا الخطاب عبثا لا قيمة له، ثم تبين أن هذا الخطاب لم يجد نفعا، ولما تبين أن هذا الخطاب لم يجد نفعا كان لا بد من تغيير التشريع ليوافق الحق، وهو عدم التمادي في الظلم، أو الاسترسال في تحقيق أهواء النفوس بقتل الخصوم، وهذا هو جانب الافتراق كما سيأتي لاحقا، إذا فمقالة الرجل الآخر:"اتق الله"لن تفعل