قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} (48) سورة المائدة
شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا التَّعْرِيفُ:
1 -الشَّرْعُ , وَالشَّرِيعَةُ , وَالشِّرْعَةُ فِي اللُّغَةِ: الطَّرِيقُ الظَّاهِرُ الَّذِي يُوصَلُ مِنْهُ إلَى الْمَاءِ , يُقَالُ: شَرَعَتْ الْإِبِلُ شَرْعًا وَشُرُوعًا: إذَا وَرَدَتْ الْمَاءَ. وَالشَّرْعُ فِي الِاصْطِلَاحِ: مَا سَنَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ الدِّينِ وَأَمَرَهُمْ بِاتِّبَاعِهِ."وَمَنْ قَبْلَنَا"هُمْ الْأَنْبِيَاءُ الْمُرْسَلُونَ قَبْلَ نَبِيِّنَا إلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ. فَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا هُوَ: مَا جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ الشَّرَائِعِ إلَى الْأُمَمِ الَّتِي أُرْسِلُوا إلَيْهَا قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ. وَحْدَةُ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ: 2 - الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ كُلُّهَا مِنْ مَصْدَرٍ وَاحِدٍ , وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , فَهِيَ لِهَذَا مُتَّحِدَةُ الْأُصُولِ. فَلَا تَخْتَلِفُ فِي أُصُولِ الدِّينِ , كَوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ , وَوُجُوبِ إخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ. وَالْإِيمَانِ بِالْبَعْثِ , وَالْجَنَّةِ , وَالنَّارِ , وَالْمَلَائِكَةِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: {شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ , وَمُوسَى , وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} .
اخْتِلَافُ الشَّرَائِعِ فِي الْفُرُوعِ:
3 -الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ قَدْ تَخْتَلِفُ فِي الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ حَسَبَ اخْتِلَافِ الزَّمَنِ وَالْبِيئَاتِ , وَبِسَبَبِ ظُرُوفٍ وَمُلَابَسَاتٍ خَاصَّةٍ بِأُمَّةٍ مِنْ الْأُمَمِ فَتُحَرَّمُ بَعْضُ أُمُورٍ عَلَى أُمَّةٍ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ بِهَا. كَمَا حُرِّمَ عَلَى الْيَهُودِ بَعْضُ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ , قَالَ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ , وَمِنْ الْبَقَرِ , وَالْغَنَمِ , حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ} . وَلَكِنْ هَلْ نَحْنُ مُتَعَبَّدُونَ بِفُرُوعِ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَمِ؟ اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْأُصُولِ وَالْفِقْهِ فِي ذَلِكَ. وَهَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَعَبَّدُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِشَرْعِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ؟ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: كَانَ يَتَعَبَّدُ , وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى ذَلِكَ. وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ الْأُصُولِيِّ وَالْكَلَامِيِّ فَإِنَّ مَا هُوَ مِنْ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ وَإِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى إقْرَارِهِ فَهُوَ شَرْعٌ لَنَا وَإِنْ وَرَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِهِ فَلَيْسَ شَرْعًا لَنَا بِالِاتِّفَاقِ. وَإِنْ سَكَتَ شَرْعُنَا عَنْ إقْرَارِهِ وَنَسْخِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ , وَالْمَالِكِيَّةُ , وَالْحَنَابِلَةُ إلَى أَنَّهُ شَرْعٌ لَنَا , ثَابِتُ الْحُكْمِ عَلَيْنَا , إذَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ , وَلَا تَقْرِيرٍ , فَلَا نَاخُذُ مِنْ أَحْبَارِهِمْ وَلَا مِنْ كُتُبِهِمْ. وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ} , إلَى قَوْلِهِ: {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} . وقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إلَيْك أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} . وَقَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ وَغَيْرَهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ شَرْعٌ لَنَا , وَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَازِمَةً لَنَا بِنَفْسِ وُرُودِهَا فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهَا قَدْ صَارَتْ شَرِيعَةً لَنَا بِوُرُودِهَا عَلَى شَرِيعَتِنَا وَلَزِمَنَا أَحْكَامُهَا. بِنَاءً عَلَى هَذَا اسْتَدَلُّوا