5 -يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَرَاتِبَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ثَلَاثٌ , وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ , فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ , وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ} فَمِنْ وَسَائِلِ الْإِنْكَارِ التَّعْرِيفُ بِاللُّطْفِ وَالرِّفْقِ , لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الْمَوْعِظَةِ وَالنَّصِيحَةِ , وَخَاصَّةً لِأَصْحَابِ الْجَاهِ وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ وَلِلظَّالِمِ الْمَخُوفِ شَرُّهُ , فَهُوَ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِ الْمَوْعِظَةَ. وَأَعْلَى الْمَرَاتِبُ الْيَدُ , فَيَكْسِرُ آلَاتِ الْبَاطِلِ وَيُرِيقُ الْمُسْكِرَ بِنَفْسِهِ أَوْ يَامُرُ مَنْ يَفْعَلُهُ , وَيَنْزِعُ الْمَغْصُوبَ , وَيَرُدُّهُ إلَى أَصْحَابِهِ بِنَفْسِهِ , فَإِذَا انْتَهَى الْأَمْرُ بِذَلِكَ إلَى شَهْرِ السِّلَاحِ رَبَطَ الْأَمْرَ بِالسُّلْطَانِ. وَقَدْ فَصَّلَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ مَرَاتِبَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَقَسَّمَهَا إلَى سَبْعِ مَرَاتِبَ , تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (حِسْبَةٌ) . هَذَا وَيَجِبُ قِتَالُ الْمُقِيمِينَ عَلَى الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ , الْمُصِرِّينَ عَلَيْهَا الْمُجَاهِرِينَ بِهَا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ إذَا لَمْ يَرْتَدِعُوا - وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِمَامِ - لِأَنَّنَا مَامُورُونَ بِوُجُوبِ التَّغْيِيرِ عَلَيْهِمْ , وَالنَّكِيرِ بِمَا أَمْكَنَ بِالْيَدِ , فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُنْكِرْ بِلِسَانِهِ , وَذَلِكَ إذَا رَجَا أَنَّهُ إنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِالْقَوْلِ أَنْ يَزُولُوا عَنْهُ وَيَتْرُكُوهُ , فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ , أَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. فَلَوْ قَدَرَ وَاحِدٌ بِالْيَدِ وَآخَرُونَ بِاللِّسَانِ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَوَّلِ , إلَّا أَنْ يَكُونَ التَّاثِيرُ بِاللِّسَانِ أَقْرَبَ , أَوْ أَنَّهُ يَتَأَثَّرُ بِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا , فِي حِينِ لَا يَتَأَثَّرُ بِذِي الْيَدِ إلَّا ظَاهِرًا فَقَطْ , فَيَتَعَيَّنُ عَلَى ذِي اللِّسَانِ حِينَئِذٍ. 6 - وَلَا يَسْقُطُ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِالْيَدِ أَوْ اللِّسَانِ أَصْلًا , إذْ هُوَ كَرَاهَةُ الْمَعْصِيَةِ , وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ , فَإِنْ عَجَزَ الْمُكَلَّفُ عَنْ الْإِنْكَارِ بِاللِّسَانِ وَقَدَرَ عَلَى التَّعْبِيسِ وَالْهَجْرِ وَالنَّظَرِ شَزْرًا لَزِمَهُ , وَلَا يَكْفِيهِ إنْكَارُ الْقَلْبِ , فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْكَرَ بِالْقَلْبِ وَاجْتَنَبَ صَاحِبَ الْمَعْصِيَةِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: جَاهِدُوا الْكُفَّارَ بِأَيْدِيكُمْ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا إلَّا أَنْ تَكْفَهِرُّوا فِي وُجُوهِهِمْ فَافْعَلُوا.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:"فليغيره"فهو أمر إيحاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة0
وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة ولا يعتد بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافا للمعتزلة. وأما قول الله عز وجل: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} فليس مخالفا لما ذكرناه، لأن المذهب الصحيح عند المحققين في معنى الاَية: أنكم إذا فعلتم ما كلفتم به فلا يضركم تقصير غيركم، مثل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} وإذا كان كذلك فمما كلف به الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا فعله ولم يمتثل المخاطب فلا عتب بعد ذلك على الفاعل لكونه أدى ما عليه، فإنما عليه الأمر والنهي لا القبول، والله أعلم. ثم إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، إذا قام به بعض الناس سقط الحرج عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثم كل من تمكن منه