قوله صلى الله عليه وسلم:"يعمد على سيفه فيدق على حده بحجر"قيل المراد كسر السيف حقيقة على ظاهر الحديث ليسد على نفسه باب هذا القتال، وقيل هو مجاز والمراد ترك القتال والأول أصح، وهذا الحديث والأحاديث قبله وبعده مما يحتج به من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وقد اختلف العلماء في قتال الفتنة فقالت طائفة لا يقاتل في فتن المسلمين، وإن دخلوا عليه بيته وطلبوا قتله فلا يجوز له المدافعة عن نفسه لأن الطالب متأول، وهذا مذهب أبي بكرة الصحابي رضي الله عنه وغيره، وقال ابن عمر وعمران بن الحصين رضي الله عنه وغيرهما: لا يدخل فيها لكن إن قصد دفع عن نفسه، فهذان المذهبان متفقان على ترك الدخول في جميع فتن الإسلام، وقال معظم الصحابة والتابعين وعامة علماء الإسلام: يجب نصر المحقق في الفتن والقيام معه بمقاتلة الباغين كما قال تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} الاَية وهذا هو الصحيح، وتتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق أو على طائفتين ظالمتين لا تأويل لواحد منهما ولو كان كما قال الأولون لظهر الفساد واستطال أهل البغي والمبطلون والله أعلم.
وأما حديث أحمد عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ كَانَ مَعَ الْخَوَارِجِ ثُمَّ فَارَقَهُمْ قَالَ دَخَلُوا قَرْيَةً فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ ذَعِرًا يَجُرُّ رِدَاءَهُ فَقَالُوا لَمْ تُرَعْ. قَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ رُعْتُمُونِى. قَالُوا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَبَّابٍ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَهَل سَمِعْتَ مِنْ أَبِيكَ حَدِيثًا يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تُحَدِّثُنَاهُ قَالَ نَعَمْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِى وَالْمَاشِى فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِى. قَالَ «فَإِنْ أَدْرَكْتَ ذَاكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ» . قَالَ أَيُّوبُ وَلاَ أَعْلَمُهُ إِلاَّ قَالَ «وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» . قَالُوا آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ أَبِيكَ يُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَقَدَّمُوهُ عَلَى ضَفَّةِ النَّهَرِ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَسَالَ دَمُهُ كَأَنَّهُ شِرَاكُ نَعْلٍ مَا ابْذَقَرَّ وَبَقَرُوا أُمَّ وَلَدِهِ عَمَّا فِى بَطْنِهَا.
فقد قال السرخسي:
بَابُ الْخَوَارِجِ
(قَالَ) رضي الله عنه اعْلَمْ أَنَّ الْفِتْنَةَ إذَا وَقَعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ , وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ , هَكَذَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رحمه الله تعالى لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: {مَنْ فَرَّ مِنْ الْفِتْنَةِ أَعْتَقَ اللَّهُ رَقَبَتَهُ مِنْ النَّارِ} وَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِي الْفِتْنَةِ {كُنْ حِلْسًا مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ , فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ أَوْ قَالَ عِنْدَ اللَّهِ} مَعْنَاهُ كُنْ سَاكِنًا فِي بَيْتِكَ لَا قَاصِدًا.
(7384) وَكُلُّ مَنْ عَرَضَ لِإِنْسَانٍ يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ , فَحُكْمُهُ مَا ذَكَرْنَا0