فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 169

نناقشه من باب دخوله في أقوال المكلّفين أو المعذورين؟! أظنّ الثّانية هي الأولى مع مثل هذه الأقوال، لكن ما يجب أن نقوله ونذكّر به هؤلاء النّوكى بحقيقة السّجون في العالم المرتدّ، وهل يجوز للمسلم وقد علم حقيقتها أن يقول مثل قولهم، مع التّذكير مرّة أخرى أنّ رسالة جودت سعيد التي قال فيها هذا القول رسالة موجّهة للشّباب المسلم في الجزائر إبّان حمى الدّعوة إلى إحياء الدّولة الإسلاميّة.

إنّ السّجن في العالم المعاصر وخاصّة في بلاد الردّة لم يعد حبسا فقط، حيث يوضع المرء في جبّ يمنعه من ممارسة بشريّته في الحياة وحركتها؛ فيمنع من أهله وبيته وعمله، بل صارت السّجون آلاما لا تقوى لها النّفس البشريّة بحال، وعلينا على الدّوام أن نتذكّر صنائع المرتدّين مع المسلمين في كلّ وقت وحين، لتبقى قلوبنا ونفوسنا مليئة بالبغض لهم، وعدم التّفكير البتّة بالعفو عنهم أو مسامحتهم، وإن أقلّ ما يحكم فيهم إذا ظفر المسلم بهم هو حكم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في حلفائه من بني قريظة، حيث حكم أن تقتل مقاتلتهم، وكلّ من بلغ منهم الحلم، وتسبى نساؤهم، وتغنم أموالهم، وهو حكم الله تعالى من فوق سبع سماوات، إن ما نراه من ضعف ذاكرة قادة الحركات الإسلاميّة مع خصوم الإسلام جدّ مؤلم، ولا يتلاءم مع طبيعة المعركة بيننا وبين هؤلاء المرتدّين.

الإسلام بين منهجين: الجهاد وابن آدم الأول

كان ممّا قالته هذه المدرسة، ودعت النّاس إليه ترك أيّ إشارة أو كلمة فيها عداوة لأعداء الدّين، حيث يقول جودت سعيد: أن نكون شهداء لله وقوّامين بالقسط مع الذين يسيئون إلينا، وعلينا أن ندرّب أنفسنا أن نكون كذلك، ونتواصى بذلك، ونتواصى بالصّبر عليه، حتّى أنّنا لسنا في حاجة أن نطلق لفظ العدوّ عليهم، وإنّما اختلفنا في التّفسير، والله تعالى علّمنا أن نقول: {وإنّا أو إيّاكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين} .ا. هـ. هذا الذي قاله جودت سعيد تمارسه الكثير من الحركات المنتسبة للإسلام، فالإخوان المسلمون ما زالوا يردّدون صباح مساء أنّ النّصارى إخوانهم، كما ورد في بيان لهم تحت عنوان:"بيان للنّاس"، وما مؤتمرات الحوار بين الأديان إلاّ صورة مثلى لمثل هذا الانحراف الخطير، وهؤلاء القوم يمارسون هذه الأخلاق التي يزعمونها حسنة، ولكنّها على حساب الإسلام، فالإسلام هو الذي يجني الثّمار السّيّئة لهذه الأفعال القبيحة، وهذه المقولة وغيرها من المقولات تؤكّد ما قلنا مرارًا من أنّ هؤلاء القوم يفقدون الفهم الصّحيح للبّ هذا الدين وجوهره، وحكمته التي إن لم يفقهها المرء فقد الرّشد كلّه، واضطربت رؤاه وتصوّراته، وجوهر الدّين قائم على العبوديّة لربّ العباد، وأنّ الإنسان عبد لهذا الإله الحقّ، فليس له من قول يراه، ولا مذهب ينتحله سوى ما أراده الله تعالى له، فهو لا يقدّم قولًا على قول الله سبحانه وتعالى، ولا يؤثر رابطة على رابطة عبوديّته لربّ العالمين، فإذا أخطأ المرء هذه القضية أخطأ الدّين كلّه، وتظهر حينئذٍ المفارقة بين منهج عبودية الله ومنهج متّبع الهوى والرأي الذّاتي.

من فهم الأولى وآمن بها، واعتقدها على ما هي عليه فإنّه يحارب الخلق ويعاديهم، أو يحبّهم ويواليهم بمقدار قربهم من الله تعالى أو بعدهم عنه، فهو يحارب من حارب الله، ويعادي من كفر بالله .. قاتلوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت