فِي مَنْ دَخَلَ مَنْزِلَهُ , فِي دَفْعِهِمْ بِأَسْهَلِ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُمْ بِهِ , فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ نَهْرٌ كَبِيرٌ , أَوْ خَنْدَقٌ , أَوْ حِصْنٌ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى اقْتِحَامِهِ , فَلَيْسَ لَهُ رَمْيُهُمْ , وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِقِتَالِهِمْ , فَلَهُ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ , فِي اللُّصُوصِ يُرِيدُونَ نَفْسَك وَمَالَك: قَاتِلْهُمْ تَمْنَعْ نَفْسَك وَمَالَك. وَقَالَ عَطَاءٌ , فِي الْمُحْرِمِ يَلْقَى اللُّصُوصَ , قَالَ: يُقَاتِلُهُمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَرَكَ قِتَالَ الْحَرُورِيَّةِ وَاللُّصُوصِ تَأَثُّمًا , إلَّا أَنْ يَجْبُنَ. وَقَالَ الصَّلْتُ بْنُ طَرِيفٍ: قُلْت لِلْحَسَنِ: إنِّي أَخْرُجُ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ , أَخْوَفُ شَيْءٍ عِنْدِي يَلْقَانِي الْمُصَلُّونَ يَعْرِضُونَ لِي فِي مَالِي , فَإِنْ كَفَفْت يَدِي ذَهَبُوا بِمَالِي , وَإِنْ قَاتَلْت الْمُصَلِّيَ فَفِيهِ مَا قَدْ عَلِمْت؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ , مَنْ عَرَضَ لَك فِي مَالِك , فَإِنْ قَتَلْته فَإِلَى النَّارِ , وَإِنْ قَتَلَك فَشَهِيدٌ. وَنَحْوُ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ , وَالشَّعْبِيِّ , وَالنَّخَعِيِّ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي امْرَأَةٍ أَرَادَهَا رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهَا , فَقَتَلَتْهُ لِتُحْصِنَ نَفْسَهَا , فَقَالَ: إذَا عَلِمَتْ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا نَفْسَهَا , فَقَتَلَتْهُ لِتَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا , فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا. وَذَكَرَ حَدِيثًا يَرْوِيهِ الزُّهْرِيُّ , عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ , عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ , أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ نَاسًا مِنْ هُذَيْلٍ , فَأَرَادَ امْرَأَةً عَلَى نَفْسِهَا , فَرَمَتْهُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهُ , فَقَالَ عُمَرُ: وَاَللَّهِ لَا يُودَى أَبَدًا. وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ الدَّفْعُ عَنْ مَالِهِ الَّذِي يَجُوزُ بَذْلُهُ وَإِبَاحَتُهُ , فَدَفْعُ الْمَرْأَةِ عَنْ نَفْسِهَا وَصِيَانَتُهَا عَنْ الْفَاحِشَةِ الَّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ أَوْلَى. إذَا ثَبَتَ هَذَا , فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهَا إنْ أَمْكَنَهَا ذَلِكَ ; لِأَنَّ التَّمْكِينَ مِنْهَا مُحَرَّمٌ , وَفِي تَرْكِ الدَّفْعِ نَوْعُ تَمْكِينٍ. فَأَمَّا مِنْ أُرِيدَتْ نَفْسِهِ أَوْ مَالُهُ , فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ ; لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْفِتْنَةِ {: اجْلِسْ فِي بَيْتِك فَإِنْ خِفْت أَنْ يَبْهَرَك شُعَاعُ السَّيْفِ , فَغَطِّ وَجْهَك} . وَفِي لَفْظٍ: {فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ , وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ} . وَلِأَنَّ عُثْمَانَ , تَرَكَ الْقِتَالَ مَعَ إمْكَانِهِ مَعَ إرَادَتِهِمْ نَفْسَهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمُضْطَرِّ: إذَا وَجَدَ مَا يَدْفَعُ بِهِ الضَّرُورَةَ , لَزِمَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ , فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ , فَلِمَ لَمْ تَقُولُوا ذَلِكَ هَاهُنَا؟ قُلْنَا: لِأَنَّ الْأَكْلَ يُحْيِي بِهِ نَفْسَهُ , مِنْ غَيْرِ تَفْوِيتِ نَفْسِ غَيْرِهِ , وَهَا هُنَا فِي إحْيَاءِ نَفْسِهِ فَوَاتُ نَفْسِ غَيْرِهِ , فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ , فَأَمَّا إنْ أَمْكَنَهُ الْهَرَبُ , فَهَلْ يَلْزَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ; أَحَدُهُمَا , يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ , مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ غَيْرَهُ , فَلَزِمَهُ , كَالْأَكْلِ فِي الْمَخْمَصَةِ. وَالثَّانِي , لَا يَلْزَمُهُ ; لِأَنَّهُ دَفْعٌ عَنْ نَفْسِهِ , فَلَمْ يَلْزَمْهُ , كَالدَّفْعِ بِالْقِتَالِ. (7385) فَصْلٌ: وَإِذَا صَالَ عَلَى إنْسَانٍ صَائِلٍ , يُرِيدُ مَالَهُ أَوْ نَفْسَهُ ظُلْمًا , أَوْ يُرِيدُ امْرَأَةً لِيَزْنِيَ بِهَا , فَلِغَيْرِ الْمَصُولِ عَلَيْهِ مَعُونَتُهُ فِي الدَّفْعِ. وَلَوْ عَرَضَ اللُّصُوصُ لِقَافِلَةٍ , جَازَ لِغَيْرِ أَهْلِ الْقَافِلَةِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ {: اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا , أَوْ مَظْلُومًا} . وَفِي حَدِيثٍ {: إنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَتَعَاوَنُونَ عَلَى الْفَتَّانِ} . وَلِأَنَّهُ لَوْلَا التَّعَاوُنُ لَذَهَبَتْ أَمْوَالُ النَّاسِ وَأَنْفُسُهُمْ ; لِأَنَّ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ إذَا انْفَرَدُوا بِأَخْذِ مَالِ إنْسَانٍ لَمْ يُعِنْهُ غَيْرُهُ , فَإِنَّهُمْ يَاخُذُونَ أَمْوَالَ الْكُلِّ , وَاحِدًا وَاحِدًا , وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ.
(الْفَرْقُ الْخَامِسُ وَالْمِائَتَانِ بَيْنَ قَاعِدَةِ مَا يُضْمَنُ بِالطَّرْحِ مِنْ السُّفُنِ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ مَا لَا يُضْمَنُ)